حرب إسرائيل وإيران.. النِّزاريّة حاضرة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

هناك قرينة واضحة، ولا نظنّها حدثت باستلهام أو قصد، لكنها تبقى قرينة لها اعتبار عن تكرار واقع التاريخ، حتى يظهر كأن القديم هو الجديد، ألا وهي ما بين أسلوب الجماعة النِّزاريَّة، التي اقتصرت حروبها على الاغتيالات، فهزّت عروشاً وقلبت دولاً، وبين ما استخدمته إسرائيل في حربها ضد إيران، واغتالت كبار الطبقة السياسية والعسكرية العقائدية، والزمن بين الحدثين نحو ألف عام.قد يكون المنفِّذ في أيام النزاريين صبياً مدرباً لا يلفت الأنظار، نزاري عقائدي بهيئة الشحاذين أو النساء، يغرس خنجره في ضحيته، خليفةً كان أو وزيراً أو قاضي قضاة، وهو يعرف حقّ المعرفة لا نجاة له في تلك اللحظة. اغتيالات العصر الحديث تُدار بالصواريخ والطائرات المسيّرة وغرف الاستخبارات، يبدو التاريخ، وكأنه يعيد أدواته بأسماء جديدة تتماهى مع تطور السلاح الجبار، متانة الحصانة، أبراج تحت الأرض، لكن مهما زاد التحصن وُجد السلاح الذي يخترقه، والجاسوس لم يعُد عامل النظافة أو الطباخ، صار الريبوت الذكي، يخترق الصخور الصم. تتبدل الدول والرايات، لكن المنطق والأسلوب يبقى واحداً: حين تعجز الحروب المفتوحة عن حسم الخصومة، تتقدم الاغتيالات بوصفها اللغة الأكثر كثافة في السياسة. وبينما تعيش المنطقة على وقع المواجهة بين إسرائيل وإيران، يعود إرث الجماعات العقائدية إلى الواجهة، لا بوصفه تاريخاً للاغتيال فقط، بل باعتباره نموذجاً لكيف يمكن للأيديولوجيات الثورية أن تنتقل، مع الزمن، من منطق الخناجر إلى حسابات الدولة والبقاء. سميت الحركة «النزارية»، نسبة إلى نزار بن المستنصر بالله الفاطمي، وقد تجاوزه أخوه الأصغر المستعلي ليكون وريثاً لوالده المستنصر (487 هجرية)، أما تشكيلها التاريخي والحركي فكان الداعي الإسماعيلي ببلاد فارس حسن الصباح (518 هجرية)، كان أسلوبها الاغتيال، ومنذ دخول قلعة «آلموت» (483 هجريَّة)، وحتى سقوطها (654 هجريَّة) بيد المغول، نشأ مجتمع نزاري عقائدي، يحتقر الحياة مِن أجل «شيخ الجبل». طالت خناجرها المسمومة الفاطميين بمصر والعباسيين والسلاجقة بفارس والعِراق.

عُرفت النزارية بفرقة الحشاشين، حسب التسمية الأوروبية، والأصح أنها «الحشيشيَّة»، كتب معاصرهم ابن دعثم (615 هجرية): «الحشّيشية، وهم قوم في تلك الديار، يرمون نفوسهم على الملوك فيقتلونهم، ويُقتّلون، ويرون ذلك ديناً» (السَّيرة الشَّريفة المنصورية). فالنسبة إلى الحشائش، التي تُصنع منها الأدويَّة في قلاعهم، وليست الحشيش المخدر، خصوصاً أنّ أحد كبارهم في قلعة «آلموت» أحمد بن عطاش (قُتل: 500 هجريَّة) كان طبيباً. بعد نحو مئتي سنة مِن العقيدة الدموية، تبنّت النزارية السِّلم، بدأت طلائع التغيير قبل سقوط قلعتهم الرئيسية «آلموت» بعقود، يحددها معاصرهم ابن الأثير- (ت: 630 هجرية) - بسنة 608 هجريَّة، فحينها بعثوا رُسلاً إلى الخليفة العباسي وبقية «ملوك الإسلام»، وأخذوا يذهبون إلى الحجَّ (الكامل في التَّاريخ)، مِن دون خناجر وهتافات ثورية. بدأ عنوانهم يتغير لدى خصومهم، فكانوا يدعون بـ«الملاحدة» (رحلة بنيامين)، و«الفداويَّة» (الفدائيين).

ظهر منهم الآغاخانيَّة، المعروفة باهتمامها الثقافي، وجائزتها للعمارة الإسلامية، تسهم بالنهضة الثقافيّة بالهند والعالم الإسلاميّ (معهد الدراسات الإسماعيلية، تاريخ الإسماعيليين الحديث الاستمرارية والتغيير لجماعة مسلمة).

لم تكن «النزارية» مخترعة الاغتيال، وإنما هو أسلوب بشري قديم، وكان يسمى «البيات» وفرقة من الخوارج حرمته، لكنها جعلته أسلوباً رئيسياً في حروبها، أما إسرائيل باغتيالات رجال الدولة الإيرانية فأظهرت شكلاً جديداً لأسلوب الاغتيال، الاغتيال بالذكاء الاصطناعي، ومع إدانة الدول المجاورة لهذا الاعتداء الجسيم، والعمل لوقف الحرب، ردت إيران بمسيرات عليها، بدلاً من إيجاد طريق إلى إسرائيل، لأخذ ثأر رجالها بالرجال، وبأسلوب الاغتيال نفسه، فهي ليست ناقصة تكنولوجياً، والنزارية نشأت وانطلقت من أرضها، فهي الأكثر حقّاً بها.

قد يقول القارئ هل اطلعت إسرائيل على تاريخ الحشيشيين (النزاريين) لتتعلم الدرس منهم، وترد به إلى الأرض الإيرانية؟ مجازاً لا تستبعد الفكرة، فإسرائيل، وهذا أرجو ألا يُعتبر مديحاً لها، لم تترك صغيرة وكبيرة في تاريخ وحاضر المنطقة لم تنبشه، فربما مرّت على هذه التجربة واستلهمتها، وهي الحرب بالاغتيال لا بمواجهة الجيوش.

*كاتب عراقي
 



إقرأ المزيد