جريدة الإتحاد - 5/26/2026 11:53:26 PM - GMT (+4 )
في الأزمات لا تُقاس الدول بما تملكه من موارد، بل بما تملكه من قدرة على تحويل الموارد إلى مناعة. هنا تكمن خصوصية التجربة الإماراتية، فهي لم تتعامل مع النفط بوصفه قدراً اقتصادياً مغلقاً، ولا بوصفه ضمانة أبدية، بل بوصفه رأسمالاً تأسيسياً لبناء دولة قادرة على العبور من اقتصاد المادة إلى اقتصاد الثقة، ومن وفرة المورد إلى وفرة البدائل، ومن إدارة الحاضر إلى صناعة المستقبل.
إنه منطق التنوع الاقتصادي الذي يرسّخ قوة الاقتصاد وقدرته على مواجهة التحديات، ومرونته في التعامل مع الأزمات.
لقد كشفت السنوات الصعبة، من الجائحة إلى اضطرابات الطاقة وسلاسل الإمداد، أن الإمارات تتحرك بمنطق الدولة التي تقول لمجتمعها وشركائها: «لا تشيلون هم». ولم تكن العبارة مجرد طمأنة وجدانية في أيام كورونا، بل تلخيصاً لفلسفة حكم كاملة: قيادة تعرف أن السكينة العامة تصنعها كفاءة الدولة، ووضوح القرار، وسرعة الفعل، و«سُمك الجلد» المؤسسي في مواجهة الصدمات. وحين يقال في الإمارات إن «جلدنا غليظ»، فالمعنى يكمن في القدرة العملية على امتصاص الضغط وتحويله إلى فرصة.
الأرقام تأتي للكشف عن اتجاه تاريخي. ففي الربع الأول من 2025 بلغ الناتج المحلي الحقيقي للدولة نحو 455 مليار درهم، ونما الناتج غير النفطي بنسبة 5.3% ليصل إلى 352 مليار درهم، بينما لم تتجاوز مساهمة الأنشطة النفطية 22.7% من الناتج. هذه دولة لا تعتمد فقط على النفط، بل تمتلك اقتصاداً صار أكثر من ثلاثة أرباع حركته خارج النفط.
ولذلك فإن السردية التي تقول إن اقتصاد الخليج يسقط إذا اهتزّ النفط، تقرأ الواقع بأدوات قديمة. الإمارات طوّرت اقتصادها عبر موانئ ومطارات ومراكز مالية ومدن آمنة وبنية رقمية وصناديق استثمار وطاقة نظيفة. في 2024 استقطبت الدولة 45.6 مليار دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر، بزيادة تقارب 48.7% على العام السابق، وبلغ الرصيد التراكمي للاستثمار الأجنبي المباشر نحو 270.6 مليار دولار، وهذه الأرقام تعني أن رأس المال العالمي لا يرى الإمارات محطة عابرة، بل بيئة إقامة وثقة واستقرار.
وهذه الثقة ليست مالية فقط، إنها أمنية واجتماعية وحضارية. فالثروات العالمية تبحث عن دولة تحمي الحياة قبل المال، وتضمن القانون قبل الربح، وتصنع سِلماً عاماً يسمح للعائلة والشركة والعقل بأن تستقر. من هنا نفهم كيف أصبحت الإمارات مركز جذب للثروات والعقول والشركات، لأنها بنت معادلة نادرة: أمن بلا انغلاق، وانفتاح بلا فوضى، وسوق بلا انفلات.
وفي الاقتصاد الجديد، دخلت الإمارات مجال الذكاء الاصطناعي من باب السيادة الحاسوبية. فمشروع Stargate UAE في أبوظبي، بشراكة إماراتية-أميركية، يقوم على منصة ضخمة للذكاء الاصطناعي تمتد على نحو 10 أميال مربعة، وبقدرة مستهدفة تبلغ 5 غيغاواط، بوصفه أكبر نشر من نوعه خارج الولايات المتحدة. هنا تنتقل الدولة من تصدير الطاقة إلى امتلاك طاقة الحوسبة، ومن بيع المورد إلى المشاركة في بنية العقل الصناعي العالمي.
وفي الطاقة النظيفة، تتحرك الإمارات بثقة دولة تفهم أن المستقبل لا يُخاصم الماضي، بل يُعيد توجيهه. مشاريع الطاقة الشمسية والنووية والنظيفة ليست اعتذاراً عن النفط، بل إعلان أن القوة الحقيقية هي في امتلاك أكثر من مسار للطاقة والإنتاج والمعرفة.
أما السياحة والعقار والطيران والخدمات، فليست قطاعات متفرّقة، بل وجوه لرؤية واحدة هدفها: جعل الإمارات مكاناً صالحاً للعيش والعمل والعبور والاستثمار. دبي وحدها استقبلت 18.72 مليون زائر دولي في 2024، بزيادة 9%، وهو رقم يعبّر عن قدرة مدينة على تحويل الأمن والنظام والجمال والبنية التحتية إلى اقتصاد يومي حي. اقتصاد الإمارات عزّز قوّته وتنوّعه ونموّه وصموده، فالإمارات دولة أحسنت استخدام النفط حتى لا تبقى رهينة له. هذه هي الرؤية البعيدة: أن يتحول المورد إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى ثقة، والثقة إلى اقتصاد، والاقتصاد إلى نفوذ حضاري. ومن لم يفهم ذلك سيظل يسأل: ماذا يحدث إذا تراجع النفط؟ بينما السؤال الأدق هو: ماذا يحدث حين تنجح دولة في بناء اقتصاد لا يختزل نفسه في النفط، ولا يفقد ذاكرته بسببه؟ هنا يبدأ معنى النموذج الإماراتي.
*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة.
إقرأ المزيد


