العيد.. وقسوة الاعتياد
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

لماذا صرنا نمرُّ على اللحظات الجميلة مروراً بارداً، وكأن كل شيء حولنا ثابت وباقٍ للأبد.. ولا يحتاج إلى انتباه أو امتنان؟! لماذا تبدو الأعياد متشابهة إلى هذا الحدّ، نفس التهاني، نفس الصور الجماعية التي نلتقطها كل عام وكأننا نُعيد تمثيل المشهد ذاته من دون أن نشعر بشيء جديد؟ لماذا أصبح الفرح مألوفاً لهذه الدرجة؟! اعتدنا اللقاءات حتى توقّفنا عن رؤية بعضنا فعلاً، وألفنا وجود من نحب، فأصبحنا نتعامل معه كأنه سيبقى، ومع القريب كأنه دائم القرب. حوّلنا العيد إلى مناسبة للالتزامات والمجاملات، وانشغلنا بما نلبسه ونشتريه!
إننا نعيش الوفرة ففقدنا قيمة الأشياء، وها هي ضريبتها التي ندفعها بمرورنا البارد على نعمة العيد، فأصبحنا نتعامل معه كحقٍّ مُكتسب، لا كهدية قد لا تتكرر. من المفارقة أني تذكرت قصة عالمية عرفناها منذ كنا صغاراً عن زوجين فقيرين جداً، أراد كل منهما أن يفاجئ شريكه بهدية مميزة في ليلة العيد، فباعت الزوجة شعرها الطويل لتشتري لزوجها سلسلةً تليق بساعته، وباع الزوج ساعته ليشتري لها أمشاطاً جميلة تليق بشعرها الطويل! وهكذا أضحت الهدايا بلا فائدة، فلا شعر طويل تزينه الأمشاط ولا ساعة تعلق فيها السلسلة! صحيح أن القصة التي كتبها الأميركي - أو هنري عام 1905 - أراد فيها إظهار مدى حُب الزوجين لإسعاد بعضهما، ولكنها نبهتني أيضاً، أنه ورغم فقرهما الشديد، إلا أنهما رفضا اعتياده، ورفضا الاستسلام لرتابته حتى لو كان المقابل أغلى ما يملكان.
الاعتياد على الحال طبيعة بشرية، فيعتاد الإنسان النعمة كما يعتاد على الفقر تماماً، لكن الفرق الحقيقي أن بعض الناس يرفضون الاستسلام لاعتيادهم. بعض الفقراء يعيشون الحرمان كل يوم - كما حال ايلدا وجيم في قصة الهدية - ولكنهم يصرّون على المنح والفرح. بينما آخرون قد يعيشون وسط النعم ولكن بلا روح تفرح ولا يد تمنح.
علينا أن نعي أن العيد لم يتغير، نحن فقط فقدنا القدرة على رؤيته. فالوالدة التي تفتح لك الباب كل عيد ليست تفصيلاً مكرراً، فقد يأتي عيد لا تفتح فيه الباب. وشقيقك الذي يضحك معك حول المائدة ليس جزءاً ثابتاً من المشهد، فقد يغيب فجأة ويبقى مكانه فقط.
حتى تلك التفاصيل الصغيرة التي تبدو عادية في صوت الصغار، وفوضى الزيارات ورائحة القهوة، حتى رسائل المعايدة التي تأتي متأخرة بعد انقضاء العيد، علينا أن نوقن أن كل هذا ليس مضموناً كما نتوهم. 
ولكن للأسف.. ما أقسى الاعتياد!



إقرأ المزيد