جريدة الإتحاد - 6/1/2026 12:39:58 AM - GMT (+4 )
أحدث التصعيد الأخير في الشرق الأوسط، وما رافقه من توتر مباشر بين إيران والولايات المتحدة، موجة جديدة من القلق في الأسواق العالمية. فقد ارتفعت مستويات عدم اليقين، وتزايدت المخاطر المتعلقة بالطاقة والشحن والتأمين البحري، كما أعادت الأسواق تقييم احتمالات تعطّل سلاسل الإمداد العالمية، في ظل اعتماد تجارة الطاقة العالمية على هذا الممر الحيوي.ورغم حدة هذه التطورات، فإن التأثير الفعلي على الاقتصاد الإماراتي جاء محدوداً، فبينما شهدت بعض الأسواق الإقليمية والعالمية تقلبات في أسعار الأصول وارتفاعاً في علاوات المخاطر، حافظت الإمارات على استقرار واضح في بيئة الأعمال، واستمرار تدفق الاستثمارات الأجنبية، دون تسجيل صدمة هيكلية في النمو أو في جاذبية السوق. وارتبط هذا الأداء بطبيعة النموذج الاقتصادي الإماراتي القائم على تنويع مصادر الدخل، وعدم الارتهان لدورة اقتصادية واحدة. فاقتصاد الدولة لا يقوم فقط على الطاقة، بل على شبكة مترابطة من القطاعات تشمل التجارة العالمية، والخدمات اللوجستية، والطيران، والتمويل، والتكنولوجيا، والسياحة، وإعادة التصدير، وهو ما وفر طبقات متعددة من الحماية ضد الصدمات الجيوسياسية المباشرة.
كما أن البنية التحتية في الإمارات ذات الطابع العالمي، جعلت من الدولة نقطة استقرار في لحظات الاضطراب الإقليمي، وفي الوقت الذي أثارت فيه التوترات مخاوف من تعطّل محتمل في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، بقيت الإمارات قادرة على الحفاظ على انسيابية عملياتها التجارية واللوجستية، مع استمرار دورها ممراً رئيسياً لإعادة توزيع التجارة العالمية.
ولعل أبرز ما يميز النموذج الإماراتي قدرته على التحرك الاستباقي داخل قلب الأزمات نفسها. ومواصلت إطلاق استراتيجيات اقتصادية متقدمة تعكس رؤية طويلة المدى تتجاوز منطق إدارة الأزمة إلى بناء اقتصاد المستقبل. فالدولة تتجه بثبات نحو ترسيخ موقعها في القطاعات الأكثر تأثيراً في الاقتصاد العالمي، من خلال الاستثمار في الصناعات التقليدية والحديثة، والتقنيات المتقدمة، إلى جانب التوسع في الاقتصاد الأخضر والطاقة النظيفة وعلوم الفضاء.
ويعكس هذا المسار انتقال الإمارات من موقع «المتفاعل مع التحولات العالمية» إلى موقع «صناعة هذه التحولات»، عبر بناء بنية اقتصادية وتقنية قادرة على دعم سلاسل الإنتاج العالمية الجديدة، والمساهمة في إعادة تشكيل مراكز القوة الاقتصادية في العالم.
والأهم أن هذه التوجهات لا تنفصل عن الواقع الجيوسياسي المضطرب، بل تنطلق منه. فبينما تعيد الأزمات الدولية رسم خريطة الاقتصاد العالمي، تتحرك الإمارات في الاتجاه المعاكس: نحو تعزيز الاستقرار، وتوسيع النفوذ الاقتصادي، وترسيخ موقعها منصةً عالميةً للتجارة والتكنولوجيا والاستثمار.
وفي قراءة متأنية وتحليلية للوقائع، فإن الأزمة الأخيرة لم يكن لها أي تأثير سلبي هيكلي على الاقتصاد الإماراتي، كما أنها كشفت عن قوة ومتانة النموذج الاقتصادي وقدرته على امتصاص الصدمات الجيوسياسية، وفي الوقت نفسه الاستمرار في بناء مسار تصاعدي طويل المدى. مع الاستمرار في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي بفعل الأزمات المتتابعة، وهو ما يضع الإمارات في موقع أقرب إلى «محور استقرار ونمو» داخل نظام اقتصادي دولي يتجه نحو مزيد من التعقيد وعدم اليقين.
ومن هنا، فإن التحولات الاقتصادية الجارية حالياً، لا تعيد فقط رسم خريطة المخاطر العالمية، بل تعزز أيضاً موقع الإمارات كإحدى أهم المنصات الاقتصادية القادرة على تحويل الاضطراب العالمي إلى فرصة، وعلى الإسهام الفعلي في صياغة ملامح الاقتصاد العالمي الجديد.
*كاتبة إماراتية
إقرأ المزيد


