جريدة الإتحاد - 6/3/2026 11:50:03 PM - GMT (+4 )
حينما وصلني خبر رحيل المفكر والفيلسوف الفرنسي الكبير إدغار موران، اتجهتُ إلى مكتبتي أبحث عن موسوعته الشهيرة «المنهج» الممتدة في ستة مجلدات، ذلك المشروع الفكري الذي شغل عقوداً من حياته، وكرّسه لإعادة تأسيس أدوات المعرفة الإنسانية. وقد سعى موران من خلال هذه الموسوعة إلى بناء منهج جديد للفهم يتجاوز الحدود الصارمة بين التخصصات، ويكشف الروابط العميقة بين الإنسان والطبيعة والمجتمع والتاريخ، واضعاً نصب عينيه مهمة كبرى تتمثل في إصلاح طرائق التفكير التي تشكّل أساس رؤيتنا للعالم وصياغتنا للمستقبل.
ومن هذا الأفق الواسع، انطلق موران في نقد النموذج المعرفي السائد في الحداثة الغربية، ذلك النموذج الذي اعتاد تفكيك الظواهر إلى عناصر منفصلة ومعالجتها ضمن حقول متباعدة. ورأى أن جانباً مهماً من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المعاصرة يرتبط بقصور الأدوات الذهنية المستخدمة في فهم الواقع. لذلك دعا إلى إصلاح الفكر قبل إصلاح المؤسسات والسياسات، عبر رؤية معرفية تجمع بين الجزء والكل، وبين النظام والاضطراب، وبين الإنسان وبيئته، وبين الذات والعالم الذي تنتمي إليه. وفي قلب مشروعه الفكري برزت مسألة «معرفة المعرفة» بوصفها سؤالاً مركزياً. فقد اهتم موران بدراسة الكيفية التي تتشكل بها المعرفة، والعوامل التي تؤثر في إنتاجها، والحدود التي تحكمها. ثم انتقل إلى عالم الأفكار، معتبراً إياها كيانات فاعلة داخل المجتمعات، تتفاعل مع البشر بقدر ما يصوغها البشر أنفسهم.
وهكذا تحوّلت الأفكار لديه إلى موضوع للتحليل الفلسفي والاجتماعي، بما يسمح بفهم أعمق لدورها في تشكيل الوعي والتاريخ. وعندما تناول الإنسان، قدّمه باعتباره كائناً مركباً يجمع في تكوينه بين الفردية والانتماء الاجتماعي والبعد الإنساني الكوني. ومن هنا جاءت فلسفته في «إنسانية الإنسانية» التي ربطت بين مصائر البشر ضمن شبكة واحدة من العلاقات المتبادلة. ثم أضاف إلى ذلك بُعداً أخلاقياً يؤكد المسؤولية المشتركة والتضامن الإنساني، حيث تنبع الأخلاق من إدراك الترابط العميق بين الإنسان وأخيه الإنسان، وبين الأجيال الحاضرة والأجيال القادمة. وفي كتابه «التفكير شمولياً» قدّم موران عرضاً مكثفاً لفكرة الفكر المركب التي أصبحت علامته الفلسفية الأبرز. وهناك وجّه نقداً واسعاً للفكر الاختزالي الذي يفسر الظواهر المعقدة من خلال عامل واحد أو منظور منفرد. وبدلاً من ذلك، دعا إلى مقاربة تستوعب التداخل والتشابك والتفاعل المستمر بين العوامل المختلفة، بما ينسجم مع طبيعة الواقع الإنساني والحضاري.
أما مبادئ الفكر الشمولي عنده فاستندت إلى رؤية تجعل الجزء مرآة للكل، وتجعل العلاقات بين العناصر أكثر أهمية من العناصر ذاتها. كما أبرز أهمية الحوار بين المتناقضات، وفهم العمليات الارتجاعية التي تؤثر فيها النتائج في أسبابها، إلى جانب التعامل الواعي مع حالات اللايقين التي ترافق المعرفة الإنسانية. وبذلك تحوّل التعقيد من عقبة ذهنية إلى أداة لفهم العالم بصورة أكثر اتساعاً وعمقاً.
وانعكست هذه الرؤية على نظرته إلى التعليم والمعرفة. فقد رأى أن النظم التعليمية تحتاج إلى بناء القدرة على الربط بين العلوم والمعارف المختلفة، وإلى تنمية الحس النقدي لدى المتعلم، وإكسابه مهارات قراءة السياقات والعلاقات.
ولذلك ارتبط مشروعه التربوي بفكرة إعداد عقل قادر على الفهم الشامل، ومؤهل للتعامل مع القضايا المتعددة الأبعاد التي تميّز العصر الحديث. وفي امتداد هذا التصور، تناول موران البعد الحضاري للأزمات المعاصرة، فرأى أنها أزمات مترابطة تتغذى من بعضها بعضاً، وتتشكل داخل منظومة عالمية واحدة. ولذلك تتطلب معالجات تستحضر العلاقات المتبادلة بين الاقتصاد والسياسة والثقافة والبيئة والتكنولوجيا.
ومن هذا المنطلق اكتسبت أفكاره أهمية خاصة في مجالات التخطيط الاستراتيجي وصناعة القرار وإدارة التحولات الكبرى.
لقد آمن إدغار موران بأن العالم أكثر تعقيداً من أن يُختزل في تخصص منفرد أو تفسير أحادي، وأن المهمة الكبرى للإنسان المعاصر تتمثل في بناء عقل يربط بين المعارف، ويستوعب التناقضات، ويدير حالات اللايقين، ويفهم العلاقات المتبادلة بين الفرد والمجتمع والطبيعة والحضارة. ومع رحيله يترجل أحد كبار حكماء العصر، فيما تبقى أفكاره مناراتٍ تهدي العقول إلى آفاق أرحب، ويبقى اسمه صفحةً مضيئةً في سجل الفلسفة الإنسانية، تُتلى مع أسماء الذين وسّعوا حدود الفكر وأثروا الوعي البشري عبر الأزمان.
*كاتب إماراتي
إقرأ المزيد


