معجزة الحج
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

مرَّ لفيفٌ من ضيوف الرحمن في طوافٍ جميلٍ لحجّاج بيت الله العتيق هذا العام، وهم يمثلون طاعة وخضوعاً لخالقهم في مشاهدَ ذاتِ عبقٍ روحاني، تُكرِّم الذاتَ أجملَ تكريم. فما أجمل أن يحظى المسلم بهذه الزيارة المنتظرة، وأن يعيش اختلاجاتٍ رحمانيةً تفيض بجمال المكان الذي لا يشبه في العالم مكاناً، يفيض بآثار الرسالة الإسلامية التي بدأت مع بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. إنها ملهمات من فضل الله الرحمن الرحيم، وسرٌّ روحيٌّ كامنٌ وراء هذه اللوحة البشرية المتجسّدة بالإيمان والدعاء والسجود للخالق العظيم سبحانه وتعالى، وطلب الرحمة والمغفرة من الله الواحد الأحد، الذي إذا دعاه عباده استجاب استجابةً مدهشةً ومبهرة.
إنها فطرة الإنسان المشبّعة بالأماني والتطلعات الصاعدة في ظلال العرش الوارفة، فهي ليست كأي ظلال. وتكمن معاني الحج في الرحمة والمحبة معاً، حيث يقف لفيف الحجيج متضرّعين إلى الله عند جبل عرفات، وهو الركن الأعظم من فريضة الحج، في نسيجٍ بشريٍّ يختزل الإيمان بالله والطاعة والعبادة في هذه المشاعر المقدسة.
زيارة مقدّسة لمن استطاع لها سبيلاً، وبقعة من أجمل بقاع الأرض، تحجب زائرها عن الدنيا وما فيها من ملذّات وأهوال، ويبقى منصرفاً إلى العمل الإيماني والصبر، وجهاد النفس، يغيّب الدنيا ويركنها ولا يكترث إلا برحلة إيمانية يُثاب عليها فتكمن للحاج الحرية الإنسانية يعيشها أمام أزمان مختلفة ما بين الدعوة الأولى وما قبلها وما بعدها من نسيج إنساني وديني وفكري فعقودٌ خلت، ولا يزال الحج بسماته حاضراً برغبة مستمرة في استشراف الإرث الثقافي والديني الماثل في نهجه الحضاري المُكلّل بالثبات والحق.
الحج نواة امتداد راسخة في السيرة القرآنية والنبوية، ورسالة متممّة للفرائض، وتلاحم سنوي بين الخالق والمخلوق. ولا منأى للوجود عن عظمة الله، وتكمن المسرّة في ترابط فطري يلهج بالتوهج في جميع المناسك وما تحمله من دلالات السكينة والوقار وروضة الصفاء والنزاهة، فالكعبة المشرّفة باقية، والبشر يعبرون من خلالها لتبقى لهم فيها آثارٌ تُحيي ذكراهم.
ويسري الهدوء، ويسمو صوت القرآن، وتعلو في الأفئدة معجزة العصور ورسالة الإسلام الخالدة. فبينما انتهت معجزات الأمم السابقة بانتهاء أزمانها، يظل القرآن الكريم كتاباً ذا قيمة خالدة، وحافظاً لقصصٍ ومواعظَ وتفاصيلَ زمنيةٍ باقية.



إقرأ المزيد