نهر كولورادو.. محاولات الإنقاذ
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في أوقات الأزمات، قد تساعد بعض الإجراءات المؤقّتة في تخفيف الضغوط أو كسب الوقت، لكنها لا تعالج أصل المشكلة. وهذا هو حال كثير من المقترحات المطروحة لإنقاذ نهر كولورادو، والتي تُركّز على إدارة النقص القائم، بدلاً من مواجهة الحقيقة الأساسية، وهي أن موارد النهر تتراجع، بينما يواصل الطلب عليها الارتفاع.
وقال براد أودال، كبير علماء المياه والمناخ في جامعة ولاية كولورادو، إن نهر كولورادو يشبه الكأس الصغيرة التي تحتوي على الكثير من المصاصات، والسبيل الوحيد لإنجاح الأمر على المدى البعيد هو سحب بعض المصاصات.
وبعد واحد من أكثر فصول الشتاء المسجلة دفئاً وجفافاً، وربع قرن من الجفاف غير المسبوق، انخفضت مستويات المياه في أكبر خزانين على نهر كولورادو، وهما بحيرة ميد وبحيرة باول، إلى 29.5% و23.5% على التوالي من سعتهما. ويبلغ التدفق السنوي الحالي لنهر كولورادو حوالي 12 مليون (فدان- قدم)، أي أقل بنحو مليوني فدان - قدم من تدفقه التاريخي، وأقل بـ 4.5 مليون فدان - قدم من كمية المياه التي وعدت بها اتفاقية نهر كولورادو لعام 1922 ومعاهدة عام 1944 الولايات المتحدة والقبائل والمكسيك. و(الفدان - قدم) هو كمية المياه اللازمة لغمر فدان واحد بقدم من الماء، وهي عادة ما تكفي لتزويد منزلين بالمياه لمدة عام.
ومع اعتماد 40 مليون نسمة و5.5 مليون فدان من الأراضي الزراعية على مياهه، فإن جفاف نهر كولورادو يُعد حالة طارئة ستزداد خطورة مع ارتفاع درجة حرارة الأرض وتزايد ندرة المياه في غرب الولايات المتحدة. ويحذّر تقرير جديد صادر عن محللين في جامعة ولاية أريزونا ومجموعات بحثية أخرى من أن شتاء آخر قليل الثلوج، كالذي شهدناه مؤخراً، قد يتسبب في نقص حاد في المياه يصل إلى 2.59 مليون فدان قدم للمستهلكين، أي ما يكفي لغمر بحيرتي ميد وباول إلى مستويات تهدد، ليس فقط الطاقة الكهرومائية التي تُولِّدها سدود هوفر وغلين كانيون، بل أيضاً سلامة هياكل السدين. وقد تتحول هذه الأزمة البسيطة إلى كارثة إنسانية.

وأدت تلك الظروف الحرجة إلى المطالبة ببعض الإجراءات الاستثنائية. ومن بين الأفكار المطروحة التضحية ببحيرة باول لإنقاذ بحيرة ميد. فتدفق مياه النهر مباشرة إلى بحيرة ميد من شأنه أن يعزّز مخزونها، ويقلّل نظرياً من كمية المياه المفقودة بالتبخر، ويمنع تراكم المياه خلف سد غلين كانيون، حيث لا يستفيد منها 25 مليون شخص يحتاجون إليها في اتجاه مجرى النهر. ووصف خبير المياه رونالد رودولف أحدث جهود هيئة استصلاح الأراضي الأميركي لحماية سد غلين كانيون، عن طريق ملء بحيرة باول بمياه من خزانات أعلى النهر، بأنها «استغلال لسد ميد لسد باول».
فالسماح لمياه النهر بالتدفق مباشرة إلى بحيرة ميد من شأنه أن يعزّز مخزونها المائي، ويقلّل نظرياً من فاقد التبخر، ويمنع احتجاز المياه خلف سد غلين كانيون، حيث لا يستفيد منها ملايين الأشخاص الذين يحتاجونها في المناطق الواقعة أسفل النهر.
كما أشار الكاتب زاك بودمور إلى أن سد غلين كانيون صُمم بحيث تصل بحيرة باول إلى ما يُعرف بـ«المنسوب الميت»، أي المستوى الذي لا تستطيع البحيرة عنده إيصال المياه بشكل موثوق إلى مجرى النهر السفلي، وعندما ينخفض منسوبها إلى 3500 قدم فقط، وهو مستوى لا يبتعد كثيراً عن منسوبها الحالي البالغ 3528 قدماً. كما ستتوقف عن توليد الكهرباء عند مستوى 3490 قدماً. ويقدِّم بودمور حجة قوية بتقبل الأمر الواقع وإعادة هندسة السد لتسمح بمرور مياه بحيرة باول وإعادة وادي غلين كانيون إلى حالته الطبيعية.

ومع انحسار بحيرة باول، عاد جزء كبير من النظام البيئي لوادي غلين كانيون إلى حالته الطبيعية قبل الفيضان، كاشفًا عن وديان خلّابة وتكوينات صخرية رائعة، مثل «كاتدرائية الصحراء»، التي كانت مغمورة لعقود. ولم يتبقَ سوى موقعين فقط من أصل 18 موقعاً لإطلاق القوارب في البحيرة التي كانت تستقطب ملايين راكبي القوارب. ويتحول الموقع السياحي المائي بالفعل إلى موقع طبيعي بري.
لكن أودال وغيره من خبراء المياه، يؤكّدون أن تجفيف بحيرة باول لملء بحيرة ميد مجرد حل مؤقت، لأن باول ترتفع عن ميد بنحو 2500 قدم، وهي أبرد وأقل عُرضة للتبخر. وتُعتبر إعادة تصميم سد غلين كانيون ليظل يعمل عند مستويات مياه منخفضة - حسب اقتراح بودمور وولايات الحوض الأدنى - فكرة جيدة، لكنها ستكلف مليارات الدولارات.
والأهم أن جميع مستخدمي مياه نهر كولورادو عليهم تقبل أن المخصصات التي وعدوا بها قبل 104 أعوام لن تكرر مجدداً. وإذا كان العرض محدوداً ويزداد تشدداً، فقد حان الوقت لمعالجة الطلب.
وأفضل نقطة للبدء هي القطاع الزراعي، الذي يستهلك نصف تدفق النهر تقريباً. ويُخصص أغلب هذا التدفق لزراعة البرسيم وأنواع أخرى من الأعلاف التي تستهلك المياه. ويستهلك هذا العلف المخصص للماشية كمية من المياه تفوق ما تستهلكه جميع المدن والمصانع ومراكز البيانات في حوض النهر مجتمعة.

ووفقاً لدراسة نُشرت عام 2024، تستحوذ تلك المحاصيل على ما يقرب من ثلث إجمالي استهلاك مياه النهر. كما أظهرت دراسة أجرتها جامعة أريزونا عام 2022 أن نحو 20% من محصول البرسيم يُصدر إلى الخارج.

وقد يرى الاقتصاديون أن الحل يكمن في تحميل منتجات اللحوم والألبان تكلفتها البيئية الحقيقية، وتسعير المياه بما يعكس ندرتها المتزايدة. لكن مثل هذه الطروحات لا تلقى ترحيباً لدى السياسيين، الذين يفضّلون تجنُّب القرارات غير الشعبية. وربما ينتصر المنطق السياسي في الوقت الراهن، إلا أن الاكتفاء بحلول شكلية لا تعالج جذور الأزمة لن يهيئ أحداً لمواجهة الواقع الذي لا مفرّ منه. 


*كاتب متخصص في قضايا تغير المناخ.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»، 



إقرأ المزيد