جريدة الإتحاد - 6/10/2026 12:20:51 AM - GMT (+4 )
يمر حوار يبدو عابراً في رواية، بين فتاتين فاقدتي البصر، تستمع نوراً التي ولدت كفيفة لسهير الطالبة انضمت لفصلها الدراسي مؤخراً، والتي فقدت بصرها تدريجياً. وفي سبعة أسطر فقط في رواية «ملمس الضوء» وجدت سؤالاً كبيراً طالما شغلني، جاء متنكراً في هيئة حوار. حين تحدثت سهير بحسرة وألم وهي تستدعي من ذاكرتها زرقة البحر القريب من بيتهم وملامح الوجوه التي فقدتها، ورغبتها في أن ترى وجه أختها الصغيرة ولون شعر أمها الجديد. كانت سهير تستدعي كل ذلك باكية، بينما كانت نورة تستمع من موقع «بارد» مختلف تماما، موقع من لم يعرف تلك الصور أصلاً!!
لم تتجاوب نورة مع حالة زميلتها، بل اكتفت بمشاركتها خبز التوست مكملة حديثها العام! هنا لا تكتفي الكاتبة نادية النجار بسرد تجربة العمى، بل لامست تلك الفكرة التي شغلتني كثيراً، بأن الإنسان الذي يحرم في البداية من أمر ما، لا يشعر بألم فقده بنفس الطريقة التي يتألم بها شخص امتلك شيئاً منذ البداية ثم فقده. ولكن لماذا هذا التعاطي المختلف طالما أن الفقد واحد؟!
الحقيقة التي أنا على قناعة بها، أن الألم لا ينشأ من غياب النعمة، بل من تجربتها ثم فقدانها. وأن القضية المفصلية هي الفقد وما يثيره من ذكريات كانت جزءاً من حياة سابقة. للأسف ما يحدث أن الذاكرة تصبح أثقل من الحرمان نفسه ولكننا لا ندرك ذلك بوضوح. في حالة سهير كان ألمها حاراً، كيف ستعيش دون بصر مازال حاضراً في ذاكرتها وتآلفت معه روحها، ثم اختفى. هذه الحالة تكشف أن الإنسان كثيراً ما يتألم من المقارنة بين ما كان يملكه وما وصل إليه، أكثر مما يتألم من النقص ذاته. ولهذا كانت سهير تتألم من غياب البصر أكثر مما تتألم نورة، لأنها أدركت حدود عالمها بالشم واللمس والبصيرة منذ البداية، فلا وجود لماضٍ يربك حاضرها. أما سهير، فمأساتها ليست في الظلام الذي يلفها الآن، بل في ذاك الضوء الراحل الذي يرفض أن ينطفئ داخل مخيلتها.
وهنا علينا أن ننظر إلى كل نعم الحياة التي منحت لنا والتي حجبت عنا بذات النظرة، ونعيد التفكير في أسئلة من قبيل هل ألم الفقير الذي لم يذق الثراء يوازي ألم من عاش غنياً ثم افتقر؟ وهل وجع من لم يعرف الحب يشبه وجع من عرفه ثم فقده؟ وهل معاناة من فقدت طفلها الوحيد تشبه تلك التي لم ترزق بأطفال في حياتها! وقس على ذلك كل ما هو حولك.
في كثير من الأحيان لا يكون الألم في النقص ذاته، بل في المسافة بين صورتين، ما كنا عليه، وصورة ما أصبحناه، لتصح أثقل أعباءنا، ليس الحرمان، بل ذاكرة النعمة!
إقرأ المزيد


