إيران بين ما فعلته وما كان يمكن أن تفعله
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

ليست كل خسائر الأمم ناتجة عن الحروب والهزائم العسكرية، فبعض الخسائر تنشأ من الفُرص التي تضيع، والطُّرق التي لم تُسلك، والمستقبل الذي كان ممكناً ثم أصبح مجرد احتمال ضائع. وربما لا توجد دولة في الشرق الأوسط تُجسّد هذه الحقيقة أكثر من إيران. ففي خِضمِّ النقاشات التي رافقت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، انشغل كثيرون بالسؤال المعتاد: هل كانت الحرب ضرورية أم لا؟ ومَن انتصر ومَن خسر؟ لكن هذه الأسئلة، على أهميتها، لا تلامس جوهر القضية. فالسؤال الأهم هو: ماذا فعلت إيران خلال العقود الأربعة الماضية؟ وماذا كان يمكن أن تصبح لو اختارت طريقاً مختلفاً؟

منذ عام 1979، تبنّت إيران مشروعاً سياسياً تجاوز حدودها الوطنية، وقام على فكرة تصدير الثورة وتوسيع النفوذ الإقليمي. وخلال السنوات التالية، تمدّد هذا المشروع عبر شبكة من الحلفاء والجماعات المسلحة في أكثر من دولة عربية، فتحوّلت أجزاء واسعة من المنطقة إلى ساحات صراع مفتوحة تتداخل فيها الحسابات المحلية مع الأجندات الإقليمية.

في العراق، عانت الدولة طويلاً من صراع النفوذ وتعدُّد مراكز القوة. وفي لبنان، دخلت مؤسسات الدولة في دوامات متكرّرة من الشلَّل السياسي والانقسام. وفي اليمن، تحوّلت الحرب إلى واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية والسياسية تعقيداً في العصر الحديث. أما دول الخليج العربي، فقد واجهت على مدى سنوات تهديدات متزايدة من الصواريخ والطائرات المسيّرة ومحاولات زعزعة الاستقرار والتدخل في الشؤون الداخلية. وفي الوقت نفسه، استمرت إيران في تطوير برامجها الصاروخية والعسكرية وشبكات نفوذها الخارجية، ما أدى إلى تصاعد مستويات التوتر وعدم الثقة في المنطقة. ولم يَعُد الخلاف مقتصراً على اختلاف المصالح السياسية، بل امتدّ إلى مفهوم السيادة الوطنية وحدود التدخل في شؤون الدول الأخرى. هذه هي الصورة التي عرفها العالم عن إيران خلال العقود الماضية.

لكن الصورة الأخرى، والأكثر إثارة للتأمل، هي صورة إيران التي لم نرها أبداً. فإيران ليست دولة فقيرة الموارد أو محدودة الإمكانات. إنها تملك واحداً من أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم، وموقعاً استراتيجياً يربط الشرق بالغرب، وسوقاً ضخمة تضم عشرات الملايين من السكان، وإرثاً حضارياً وثقافياً يمتد لآلاف السنين، إضافة إلى مقومات سياحية وطبيعية كان يمكن أن تجعلها من أبرز الوجهات العالمية. تخيّلوا إيران مختلفة. إيران تستقبل ملايين السياح سنوياً في مدنها التاريخية، وتنافس الاقتصادات الصاعدة في آسيا، وتتحول موانئها إلى مراكز تجارية تربط الخليج العربي بآسيا الوسطى وأوروبا، وتصبح جامعاتها وجهة للعلماء والباحثين، وتستقطب الاستثمارات بدلاً من أن تواجه العقوبات. لم يكن ذلك حلماً مستحيلاً، بل احتمالاً واقعياً كانت تملكه دولة تفيض بالموارد البشرية والطبيعية.

ماذا لو أن المليارات التي أُنفقت خلال العقود الماضية على الصراعات والأذرُع الإقليمية وبرامج التسلح وسباقات النفوذ، وُجِّهت إلى التعليم والتكنولوجيا والصناعة والبنية التحتية والتنمية الاقتصادية؟ كيف كان سيكون حال المواطن الإيراني؟ وكيف كان سيكون شكل العلاقة بين إيران وجيرانها؟ وربما تكمن المأساة الحقيقية هنا. فدول المنطقة دفعت ثمناً باهظاً نتيجة الصراعات والتوترات وعدم الاستقرار، لكن الشعب الإيراني دفع هو الآخر جزءاً كبيراً من هذا الثَّمن.

وبينما كانت الموارد تُستنزف في مشاريع النفوذ الخارجي، ظلت تحديات الاقتصاد وفرص العمل ومستويات المعيشة تُشكّل هاجساً يومياً لملايين الإيرانيين. اليوم، وبعد عقود من الأزمات والحروب والتنافس الإقليمي، لا يكفي أن نسأل ماذا حققت إيران من نفوذ؟ بل يجب أن نسأل أيضاً ماذا خسرت المنطقة، وماذا خسرت إيران نفسها؟

فالتاريخ لا يقيس الدول بحجم تأثيرها في الأزمات فقط، بل بما حققته لشعوبها ولجيرانها من استقرار وازدهار. وعندما يكتب المؤرّخون قصة هذه المرحلة بعد سنوات طويلة، فقد لا يكون السؤال الأهم من ربح هذه الحرب أو تلك؟ بل سؤال أكثر عمقاً وقسوة، عن إيران: كيف لدولة امتلكت كل مقومات القوة والازدهار، من الثروة والموقع والسكان والحضارة، أن تقضي ما يقارب نصف قرن تبحث عن النفوذ خارج حدودها، بينما كان مستقبلها الحقيقي ينتظرها داخل تلك الحدود؟

*لواء ركن طيار متقاعد.
     



إقرأ المزيد