جريدة الإتحاد - 6/11/2026 11:53:03 PM - GMT (+4 )
بمناسبة حدث الهجرة الذي اعتُبر من الأحداث الفارقة في التاريخ نتساءل: بأي معنى يمكن أن يكون موضوع الهجرة موضوعاً فلسفياً؟ ترجع كلمة هجرة إلى جذر يعطي معنى الترّك والابتعاد، وفي دلالته العامة يشير إلى ترك موطن والانتقال إلى موطن آخر، لأسباب مختلفة بحثاً عن فضاء يجد فيه المهاجر ذاته وقد استوت في خلق جديد.
لكن مفهوم الهجرة عندما يقال، يشير عادة إلى حدث تكوين المجتمع الجديد في المدينة المنورة بعد ترك الرسول صلى الله عليه وسلم وكثير من صحابته موطنهم الأصلي في مكة، ويعتبر المؤرخون هذا الحادث فارقاً في تاريخ المسلمين، لأنه صنع شيئاً جديدا لم يكن له وجود من قبل. لا من حيث التكوين المؤسسي، خاصة مع صحيفة المدينة، ولا من حيث التكوين النفسي خاصة مع مثال الأخوة الذي جسّده الصحابة في تضامنهم وتكافلهم ورَفْدِ بعضهم بعضاً.
ينطوي مفهوم الهجرة باعتباره انتقالاً من مكان إلى مكان، على فكرة محورية تتعلق بالبحث عن الكمال، فالمهاجر يطلب كماله المادي أو النّفسي أو العلمي في موطنه الجديد الذي يهاجر إليه، وقد يكون هذا الكمال طلباً لعلم معين، كما عرف عن الهجرات العلمية الشّهيرة في تاريخ الثّقافة العلمية العالمية. لعل أهم هجرة يمكن أن تقود إلى النّظر الفلسفي في مفهوم الهجرة هي هجرة إبراهيم عليه السلام المترجمة في قوله تعالى: «إني مهاجر إلى ربي»، هنا تصبح الهجرة الحقيقية هجرة داخل النّفس، وإن انطوت على هجرة من مكان إلى أمكنة مختلفة. لقد كانت هجرة نبيّنا إبراهيم هجرة فلسفية بأوسع معاني الكلمة، فهي هجرة قادته إلى معرفة ذاته وتجاوزها المستمر، فمن هجرة فكرية من النّجوم إلى رب النّجوم الذي لا يأفل، ومن هجرة جسمية من بدن تُرك للنّار إلى قلب متعلق برب النّار، ومن هجرة عاطفية عندما ترك ابنه الرضيع وأمّه في وادي غير ذي زرع، ومن هجرة نفسية وهو يعزم على ذبح فلذة كبده، وغيرها من ضروب الانتقالات في معارج الكمالات النّفسية والعاطفية والعقلية حتى أدرك مقام الخُلَّة. لا يمكن فهم الهجرة عند إبراهيم عليه السلام إلا ضرباً من ارتقاء فكري وروحي يُذكرّنا بالجدل الصّاعد عند أفلاطون، وهو ينتقل من المعرفة الحسية إلى المعرفة العقلية إلى المعرفة الحدسية ليجد نفسه وقد ترك الظلال والأشباح واستغرق في عالم المثل والحقائق. كما تذكرنا بهجرة «أفلوطين» جسده ليمعن في التخلّص من عوارضه الجسمانية نشداناً لكمال روحي مرتقب.
وهي التجربة التي اتخذها أهل العرفان طريقاً إلى كمالهم الروحي، كما تشهد كتب أهل الملل والنّحل. إن إدراج التجربة الفكرية والرّوحية لإبراهيم عليه السلام في إطار تاريخ التجربة الفلسفية والروحية للفلاسفة الكبار، تبرز أن مسار الحياة الإبراهيمية، بما عرفته من امتحانات وابتلاءات كبرى ذاقها إبراهيم، قد أصبحت عند الفلاسفة منهجاً فكرياً وروحياً يؤسس للانتقالات من الحدود الحسّية والعوارض الجسمانية إلى المعرفة اليقينية والكمالات الروحية. ولا نكاد نجد فيلسوفاً لم يمر في حياته بتجربة مثل هذه، ولعل الإمام أبا حامد الغزالي الذي يحكي هجرته في كتابه «المنقذ من الضلال» أجلى مثال على ذلك، وهي الهجرة التي جسّدها ابن طفيل في قصته الفلسفية حي بن يقظان، والنّاظر في كتاب «التوهم» للمحاسبي يلمس هجرة طريفة تذكر الإنسان بسفره من الولادة إلى الممات إلى البعث والحشر والجزاء.
إن قصة الهجرة، وإن ظهرت لنا في ظاهرها انتقالات مكانية، فهي في عمقها انتقالات مادية وفكرية وروحية وعلمية بحثاً عن كمالات يفتقدها الإنسان في أول خطوات معراجه المقَدَّر له.
*مدير مركز الدراسات الفلسفية بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.
إقرأ المزيد


