أميركا.. و«ديمقراطية» اقتصاد المؤثرين
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في أيام السبت بحي جرينيتش فيلدج في نيويورك تصبح الطوابير جزءاً أساسياً من المشهد اليومي، حيث تمتد منذ الصباح أمام محال الطعام المختلفة مثل المعجنات والبيتزا والسندويشات والحلويات. وكثيراً ما يجد المارة أنفسهم داخل تلك الطوابير بحكم سيطرتها على الأرصفة. وتعتبر تلك الطوابير هي التجسيد المرئي للرأسمالية في العمل، حيث تصبح التجارة ونظام يقوم على الاستحقاق وثمار الابتكار التكنولوجي كلها حاضرة بوضوح، بفضل ازدهار اقتصاد المؤثرين.

وقد لا ينتظر المصطفون في تلك الطوابير هذا الطعام تحديداً، بل قد يرتبط الأمر بمقطع فيديو قصير لأحد المؤثرين يقول إن المكان أو المنتج يحمل تجربة فريدة. لذلك يريد من يقف في الطابور الحصول على تلك التجربة لمشاركتها أو زيادة متابعيه، أو ربما لمجرد كسب إعجاب وتفاعل على شبكته الاجتماعية.

وبحسب استطلاع رأي، أفاد 60% من جيل زد و48% من جيل الألفية أنهم انتظروا في طوابير لأكثر من 30 دقيقة لتناول طعام معين خلال العام الماضي. وأكد معظمهم أنهم سيكررون التجربة، وأن جزءاً من دافعهم كان على الأقل هو النشر على مواقع التواصل الاجتماعي. ويكشف هذا الواقع الكثير عن الوضع الاقتصادي الحديث.

فقد بات التفاوت الاجتماعي أكثر وضوحاً للجميع. فهناك طوابير تمتد لساعات أمام أحد المطاعم الشهيرة، بينما يعاني المطعم المجاور، الذي يقدم منتجاً لا يقل جودة، من ضعف الإقبال. ويعتمد الحصول على إعجاب المؤثرين على الحظ ومعرفة الجمهور المستهدف. كما أن اقتصاد المؤثرين نفسه يتّسم بهيمنة فئة معينة، حيث يحقق بعض المؤثرين أرباحاً طائلة تصل إلى مئات الآلاف من الدولارات، بينما لا يجني أغلبهم شيئاً.

مع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن اقتصاد المؤثرين يُعد تطوراً ملحوظاً عما كان عليه الوضع سابقاً. وقد نُشر مؤخراً مقالاً قديماً على غلاف مجلة «نيويورك»، يتناول قصة شابات لُقبن بـ«فتيات القوة»، واللواتي سيطرن على الحياة الليلية الأكثر رواجاً في مانهاتن أواخر التسعينيات. وكن رائدات في مجال التأثير، وامتلكن شركات علاقات عامة قادرة على إنجاح أو إفشال أي مشروع تجاري. فقد كن يضعن قوائم المدعوين لحفلات إطلاق المنتجات، ويضمن تغطيتها في الصحف، ويقنعن المشاهير بزيارة مكان معين، ثم يتأكدن من جعله يكتظ بالزوّار. وكانت هؤلاء النساء يشتركن في ميزتين أساسيتين: صغر أعمارهن وامتلاكهن شبكة علاقات واسعة.

وكان ذلك مزيجاً نادراً ومؤثراً. فالشباب كثيرون في سوق العمل، لكن قلة منهم يولدون في عائلات نيويوركية ثرية تمنحهم منذ سن مبكرة إمكانية الوصول إلى المشاهير من الصف الأول والتأثير عليهم. وكان الإنترنت لا يزال في بداياته، ولم تكن وسائل التواصل الاجتماعي موجودة.

وكان الناس يتعرفون إلى المنتجات الجديدة أو الأماكن الرائجة من خلال مراجعات الصحف والمجلات أو التقارير المنشورة، أو عبر قراءة أخبار المشاهير والأثرياء الذين يرتادون تلك الأماكن. أما اليوم، فقد تغيّر العالم. فقد أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي الوصول إلى المعلومات للجميع، وحلّ المؤثرون محل خبراء العلاقات العامة.

ولم يعُد الظهور في الصحف بنفس الأهمية. فإذا أردت إثارة ضجة إعلامية وبناء علامة تجارية، عليك توظيف أو التعاون مع أحد المؤثرين، وأبرزهم اليوم من الشباب، لكنهم قد يأتون من أي مكان، حيث لا يتطلب الأمر أن يكونوا أثرياء أو يمتلكون علاقات، ولا حتى أن يكونوا من سكان نيويورك. كل ما يحتاجون إليه هو هاتف، وقليل من الجاذبية الشخصية، وأن يكون لديهم صوت قوي، واستعداد لتوثيق 90% من ساعات يقظتهم. ويقول نحو 75% من جيل الألفية وجيل «زد» إن «صناعة المحتوى» مهنة مجدية، ويقول 45% إنهم يمارسون صناعة المحتوى كهواية في الغالب. إنها طريقة أكثر ديمقراطية لممارسة النفوذ. فحجم الجمهور هو العامل الحاسم؛ إذ يجب عليك استهداف شريحة متنوعة اقتصادياً. بينما كان على هؤلاء الفتيات المؤثرات معرفة كيفية إرضاء شريحة صغيرة نسبياً من الأشخاص المناسبين. ويعكس استبدال موظفي العلاقات العامة، الذين وصلوا إلى مواقعهم عبر النفوذ الاجتماعي بالمؤثرين، صورة مبكرة لكيفية تغيّر الاقتصاد.

ولا تزال وظائف العلاقات العامة موجودة، لكن التكنولوجيا قلّلت من قيمة المهارات المحدودة التي كانت تتمتع بها «فتيات القوة». وأصبح من السهل الوصول إلى اقتصاد المؤثرين الذي يُوظف أشخاص أكثر، ولكنه أيضاً أكثر فوضوية وأقل استقراراً. وإذا تعاونت علامة تجارية مع المؤثرين، فلن يكون ذلك رخيصاً أو مضموناً، ولكنه لا يزال أرخص من توظيف شركة علاقات عامة في السابق.

كما أن ما يبيعه المؤثرون أصبح أيضاً في متناول الجميع. فعدد محدود كان لديهم الوسائل أو القدرة على الذهاب إلى حفلة في مومبا. أما الآن فكل ما يحتاج إليه أي شخص للحصول على ألذ خبز بيغل مقرمش في مانهاتن هو بعض الوقت ومنبه للاستيقاظ مبكراً. كما أن الترويج لسلع بأسعار معقولة نسبياً يُساعد المؤثر على بناء قاعدة جماهيرية. وفي نيويورك، حيث ينتظر عدد أكبر من الناس في طوابير الطعام مقارنةً بالنوادي الليلية، يصنع ذلك فارقاً كبيراً.لا يزال سوق التأثير سوقاً احتكارياً يقوم على قاعدة «الفائز يحصد كل شيء»، شأنه شأن الكثير من قطاعات الاقتصاد الأميركي.

لكن تحديد الفائزين، ومن يجب عليهم إرضاؤهم، أصبح أكثر ديمقراطية. وتلك هي طبيعة التغيير التكنولوجي، إذ يكاد الجميع يأسفون على الوظائف التي يفقدها، لكن قلة فقط تقدر الوظائف الجديدة التي يخلقها.

*كاتبة متخصصة في الشؤون الاقتصادية- زميلة بارزة في معهد مانهاتن.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
 



إقرأ المزيد