سوريا.. والشراكة الاستثمارية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

على الرغم من رفع الجزء الأكبر من العقوبات الغربية المفروضة على سوريا عقب التغيير السياسي، لا تزال المصارف السورية تعيش انقطاعاً شبه كامل عن المنظومة المالية الدولية، وهي تواجه عقبة كبرى أمام إعادة الاندماج الخارجي، التي تكمن في انكفاء الشبكات المالية العالمية عن السوق المحلية، وتراجع علاقات المراسلة المصرفية التي تُعد الركيزة الأساسية للتجارة والتحويلات وتمويل الاستيراد. ولكن في المقابل يلاحظ وجود مؤشرات أولية لانفتاح تدريجي، والعودة التجريبية لبوابات الدفع الدولية مثل «فيزا» و«ماستر كارد»، مما يسهم بتقليص الاعتماد على السيولة النقدية واستعادة الثقة تدريجياً. ويستعد السوريون لمواجهة تحديات مرحلتين استراتيجيتين، الأولي وقف التدهور الأمني واحتواء الأزمات المتراكمة، تمهيداً لتوفير الاستقرار السياسي، ودخول المرحلة الثانية في مسيرة متدرّجة لبناء الدولة على أُسس جديدة.

ويبرز في هذا المجال التحوّل الكبير نحو اقتصاد السوق، وتفعيل الاستثمارات في أجواء «نظام رأسمالي»، يعتمد مبادئ «الاقتصاد الحر»، تحت رقابة مؤسسات الدولة المعنية، في توفير الحماية، ومنع الاحتكار والاستغلال، بما تقتضيه مصلحة الشعب وتأمين حاجياته الاستهلاكية والحياتية. ومع تدفق الاستثمارات السورية والعربية والأجنبية، والتي بلغ مجموعها نحو 56 مليار دولار، وفق الأرقام المسجلة لدى هيئة الاستثمار السورية، لابد من مواكبة مسيرة هاتين المرحلتين، بقيام شراكات مالية استراتيجية مع مصارف من دول الخليج العربي، ودول الاتحاد الأوروبي، ليس فقط على شكل مراسلين مصرفيين، بل عبر محافظ استثمارية مشتركة، وصناديق تمويل لمشاريع في قطاعات الإنتاج والبنية التحتية والتحول الرقمي.

وكان مصرف سوريا المركزي، قد أطلق قبل نهاية عهد الحاكم السابق عبدالقادر الحصرية، استراتيجيته الشاملة للأعوام 2026 – 2030 وهي تمثّل رؤية طموحة تهدف إلى تعزيز الاستقرار المالي والنقدي وبناء نظام مالي حديث يواكب التحولات الإقليمية والدولية، وهي تقوم على خمس ركائز أساسية، تشمل أولاً، تحقيق استقرار نقدي مستدام، بما يعزّز الثقة بالعملة الوطنية.

ثانياً، بناء سوق صرف منظّم وشفاف، يعكس قوى العرض والطلب. ثالثاً، تطوير منظومة مدفوعات رقمية آمنة، وتوسيع نطاق الشمول المالي.

رابعاً، تحقيق التكامل مع النظام المالي العالمي. خامساً، تنفيذ هذه التوجهات من خلال أكثر من 30 برنامجاً ومبادرة رئيسية، تغطي مختلف محاور العمل، مع وضع إطار واضح يضمن ترجمة الأهداف إلى نتائج ملموسة. وهكذا، يقف محمد صفوت رسلان، الحاكم الجديد لمصرف سوريا، أمام حزمة متداخلة من التحديات، تتلخص باستكمال عملية تبادل العملة، وفك حبس السيولة، وإعادة ربط النظام المصرفي السوري بالمنظومة المالية العالمية، وبناء أدوات حديثة للتحويل والاستثمار والرقمنة.

لقد سبق أن اقترح وزير المالية محمد يسر برنية مشروع قانون يُلزم بتحويل جميع الشركات الحكومية إلى شركات مساهمة عامة، بما يضمن تطبيق قواعد صارمة للحوكمة.

وينسجم هذا المشروع مع بعض التوجهات التي يروّج لها البنك الدولي، لاسيما تلك المرتبطة بالتحرير الاقتصادي، وتقليص دور الدولة في النشاط الإنتاجي، حيث يدعو البنك عادة إلى تخفيف العبء عن القطاع العام، وتشجيع «الخصخصة»، ولكن في هذا السياق، يبدو أن سوريا حسمت الجدل القائم حول هوية نظامها المالي والاستثماري الجديد متبنّية مسار «الشراكة الاستراتيجية» بين القطاعين العام والخاص، كبديل جذري لخيار الخصخصة المطلقة، ليعلن هذا التحول رسمياً خروج القطاع الخاص من دور المساند الهامشي إلى دور «قاطرة التنمية الاقتصادية»، والشريك الأساسي في قيادة مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.

*كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية.
 



إقرأ المزيد