«قبعات خضراء» سيبرانية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في ظل التهديد الهائل الذي تشكله الهجمات السيبرانية على الأمن القومي، قد يُفاجأ الأميركيون بعدم وجود قوة عسكرية أميركية مُخصصة للإشراف على جميع العمليات الدفاعية لحماية البلاد والقوات في الخارج والشركات الكبرى من هذه الهجمات. لكن ذلك قد يتغير قريباً. وفي تقرير جديد ثاقب وفي توقيت بالغ الأهمية، يعرض مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية مبررات إنشاء قوة سيبرانية جديدة تتولى تلك المهمة.

ويشارك في إعداد التقرير عدد من أبرز الخبراء العسكريين الأميركيين في مجال الأمن السيبراني، من بينهم الأدميرال مايك غيلداي، الرئيس السابق للعمليات البحرية، والأدميرال المتقاعد مارك مونتغمري، المدير التنفيذي السابق للجنة «سولاريوم الفضاء السيبراني» المنشأة بتكليف من الكونغرس. ومن المتوقع أن يحظى التقرير باهتمام واسع في الكونجرس، حيث تتزايد الجهود الرامية إلى إنشاء قوة مستقلة متخصصة في الحرب السيبرانية. وينظر بعض أعضاء الكونجرس إلى إطلاق قوة الفضاء الأميركية بنجاح كفرع سادس للجيش في عام 2019، كنموذج يحتذى به. فهل تبدو فكرة إنشاء قوة سيبرانية منطقية؟

وما أبرز المخاطر التي ينبغي لها التعامل معها؟ وكيف يجب أن يكون هيكلها التنظيمي؟ ومنذ فترة عملي كقائد أعلى لقوات حلف شمال الأطلسي (الناتو)، أدركت الأهمية البالغة للأمن السيبراني. ففي عام 2009 دفعت الحلف إلى تمويل مركزه الجديد للتميز السيبراني في العاصمة الإستونية تالين تمويلاً كاملاً. وقد أصبحت هذه المنشأة أكثر أهمية مع تزايد الهجمات السيبرانية على تلك الدولة الصغيرة المتقدمة تكنولوجياً، وعلى جيرانها.

وهناك أسباب عدة وراء التنامي السريع للتهديدات السيبرانية عالمياً، أهمها النمو الهائل في عدد الأجهزة المتصلة بالإنترنت، والذي يُقدر بنحو 30 مليار جهاز، ما يخلق مساحة ضخمة محتملة للهجمات الإلكترونية. ويضاف إلى ذلك تريليونات الدولارات التي تُفقد سنوياً بسبب الجرائم الإلكترونية، مثل سرقة البيانات الشخصية، وبرامج الفدية، وعمليات التصيد الاحتيالي. وأخيراً، تؤدي الاضطرابات الجيوسياسية إلى توفير حوافز هائلة للحرب السيبرانية، وقد رأينا أهميتها بالنسبة للطرفين في الحرب الروسية الأوكرانية.

كما تمثل الحرب السيبرانية سلاحاً غير متماثل تلجأ إليه دول أضعف مثل كوريا الشمالية وإيران في مواجهة الغرب. ومع ذلك، فإن منظومة الدفاعات الأميركية الإلكترونية تتكون من مزيج من جهود القطاعين الحكومي والخاص. أما الجانب العسكري فيتركز في قيادة الأمن السيبراني الأميركية، التي تضطلع بمسؤولية مزدوجة تشمل العمليات العسكرية الإلكترونية العامة وإدارة وكالة الأمن القومي.

وعلى الصعيد المدني، فتضم وزارة الأمن الداخلي منظمات عدة للدفاع السيبراني، من بينها وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية. إلا أن هذه الوكالة تُعاني من ضغوط مالية ضخمة، في ظل تخفيضات مُقترحة تُقارب 400 مليون دولار، وفقدان أكثر من 800 وظيفة في السنة المالية 2027.

كما تمتلك حكومات الولايات والسلطات المحلية، لا سيما المدن الكبرى، قدرات للدفاع السيبراني عبر أجهزتها المكلفة بإنفاذ القانون. كما تنفق الشركات الأميركية، لا سيما المؤسسات المالية الكبرى، مبالغ طائلة لحماية أنظمة تقنية المعلومات الخاصة بها. وتكمن المشكلة في ضعف التنسيق بين هذه الوكالات والشركات. وداخل الجيش، غالباً ما تُشغل وظائف الدفاع السيبراني بأشخاص غير متخصصين لعدم وجود كوادر من المحترفين. وتقوم فكرة إنشاء قوة سيبرانية على منحها المهمة الحصرية والمسؤولية الكاملة عن تدريب وتجهيز واستقطاب وتنظيم كوادر الأمن السيبراني العسكري.

ومن شأن ذلك أن يتيح للولايات المتحدة بناء جيل من المحاربين السيبرانيين المحترفين على المدى الطويل، أي ما يشبه قوات «القبعات الخضراء»، أو «قوات النخبة» في ميدان الحرب السيبرانية. ويمكن لهذه القوة أن تعمل عبر مختلف مؤسسات الدولة، بل أيضاً على مستوى القطاعين العام والخاص، من خلال تنسيق العمليات، وتبادل الخبرات، وتعزيز الردع المشترك بين الأنظمة السيبرانية الحكومية والعسكرية والتجارية.

ويُقدر محللو مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن هذه القوة ستحتاج إلى ميزانية أولية تبلغ نحو 10 مليارات دولار، مُخصصة في معظمها بالفعل للقوات المسلحة، وتُوزع بشكل غير فعال على برامج سيبرانية قائمة.

وعادة ما يمثل العنصر البشري الجزء الأكبر من نفقات أي مؤسسة، إذ يتوقع التقرير أن تضم القوة الجديدة في نهاية المطاف نحو 20 ألف جندي في الخدمة الفعلية، وما بين 3500 و5000 عنصر من الحرس الوطني، إضافة إلى 6000 موظف مدني. لكني أعتقد أن بالإمكان إنشاء قوة فعالة بنحو نصف هذا الحجم على الأقل في مراحلها الأولى، بالاستفادة إلى حد كبير من المكاسب التي يتيحها الذكاء الاصطناعي. غير أن النقطة الأساسية تكمن في ضرورة أن تكون رواتب القوة السيبرانية مرتفعة وفق المعايير العسكرية، نظراً للحاجة إلى منافسة وادي السيليكون وغيره من مراكز الابتكار التابعة للقطاع الخاص على الكفاءات.

وأخيراً، يبرز سؤال يتعلق بالموقع التنظيمي للقوة السيبرانية، قد لا يبدو مُهماً للمدنيين، لكنه سيمثل قضية بالغة الأهمية داخل المؤسسة العسكرية، حيث يسعى كل فرع إلى حماية نطاق نفوذه وتوسيعه. وتوجد خيارات مطروحة عدة، وهي إنشاء القوة كفرع عسكري سابع مستقل، أو إلحاقها بأحد الأفرع القائمة، مثل الجيش على الأرجح، أو دمجها مع قوة الفضاء. ويمكن حسم هذه المسألة لاحقاً. أما العامل الحاسم فهو التحرك السريع، حيث قد يستغرق الأمر عاماً أو أكثر لتأسيس الأسس الأولية، في وقت يتوقع فيه تزايد مخاطر الجرائم الإلكترونية والحرب السيبرانية والاضطرابات الجيوسياسية.

 

*قائد سابق لقوات حلف شمال الأطلسي (الناتو)، عميد فخري لكلية فليتشر للقانون والدبلوماسية بجامعة تافتس.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
 



إقرأ المزيد