جريدة الإتحاد - 6/13/2026 10:53:06 PM - GMT (+4 )
أظهر تغيير اسم اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية «نافتا» إلى اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا «يوسمكا»، وهو ما يعتبر تغييراً شكلياً، مشكلةً أعمق تُهدد اليوم صناعة تُمثل جوهر الاتفاقية التجارية، وهي صناعة السيارات. فبينما روجت اتفاقية «نافتا» لنطاقها العابر للقارات، حددت اتفاقية «يوسمكا»، التي وقعها الرئيس دونالد ترامب في ولايته الأولى، بنودَها القابلة للتجزئة، وهو ما يبدو فرقاً بسيطاً، لكنه جوهري في الواقع.
وإذا نفذ ترامب تهديداتِه الأخيرة بأنه لن يُجدد اتفاقية التجارة الحرة بين الدول الثلاث لمدة 16 عاماً أخرى، ستبدأ عملية مراجعة سنوية، مع العلم بأن الاتفاقية ستظل ساريةَ المفعول لمدة تصل إلى عشر سنوات، ما لم تنسحب إحدى الدول بالكامل. وفي الأغلب، ستتجاوز المفاوضات الموعد النهائي للتمديد، في أول يوليو المقبل، مما يُهدد الاتفاقية بالتحول إلى مزيج من الاتفاقيات الثلاثية والثنائية، وهو ما قد يُؤدي إلى مزيد من الاضطراب في سلاسل التوريد بصناعة السيارات الأميركية، بل وارتفاع أسعارها.
وكان ترامب قد وصف اتفاقية «يوسمكا» عام 2020 بأنها «شراكة مع المكسيك وكندا في مواجهة العالم». لكنه بعدها أضعف تلك الشراكة برسوم جمركية، وتصريحات ساخرة لكندا بوصفها «الولاية الـ51»، وضغوط متصاعدة على المكسيك، والتي دفعت الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم مؤخراً إلى اتهامه صراحة بالتدخل في الشؤون السياسية الداخلية لبلادها. وهكذا تحولت العلاقة خلال ست سنوات فقط من شعار «معاً في مواجهة العالم» إلى «الولايات المتحدة في مواجهة جيرانها». وفي الواقع، شددت اتفاقية «يوسمكا» شروط اتفاقية «نافتا» المتعلقة بقواعد التجارة الحرة. فقد رفعت نسبة المحتوى المحلي للسيارات المصنعة داخل أميركا الشمالية إلى 75%، وفرضت حداً أدنى للمحتوى العمالي بنسبة 40% لمن يتقاضون 16 دولاراً على الأقل في الساعة. وذلك بهدف إعادة توطين مزيد من المصانع داخل أميركا الشمالية، وضمان ألا يتركز الإنتاج في المكسيك منخفضة الأجور.
وتسعى الولايات المتحدة حالياً إلى رفع نسبة المحتوى الإقليمي مرة أخرى، مع وضع حد للمحتوى الأميركي يصل إلى 50%. وتعني زيادة المحتوى المحلي ارتفاع الأسعار، حيث يتجاوز متوسط سعر السيارات الأميركية الجديدة حالياً 51 ألف دولار، وسترتفع أسعارها أكثر لو نقلت صناعة السيارات تعريفات ترامب الجمركية إلى المستهلكين.
كما أن فرض قواعد أكثر صرامة وتعقيداً قد يُعيق سلاسة التجارة الحرة. وحتى نظام التصنيف الحكومي الفيدرالي نفسه يُصنف قطع غيار السيارات الأميركية والكندية ضمن المنتجات المحلية، مما يعكس الترابط الوثيق لسلاسل التوريد.
وبينما تشير التقارير إلى خسارة المكسيك 300 ألف وظيفة في قطاع السيارات العام الماضي، لم تشهد في المقابل مصانع السيارات الأميركية أي زيادة، بل انخفضت أعداد الموظفين في قطاع صناعة السيارات الأميركي.
وتبرز الصين كسبب رئيسي وراء اندفاع ترامب في ملف التجارة، إذ إن فرض رسوم جمركية مرتفعة على السيارات الصينية يُعد أمراً ضرورياً في ظل التنافس الصيني الشرس. لكن المفارقة أن ترامب يبدو أكثر ميلاً إلى التقارب مع بكين، بينما يمارس ضغوطاً شديدة على كندا والمكسيك.
وتقوض الضغوط على الدول المجاورة لإجبارها على قبول اتفاق تجاري يميل لصالح أميركا، الأساس القوي القائم للتعاون ضد التنافس الصيني. وبينما أثار التغلغل الصيني في سوق السيارات المكسيكي مخاوف تتعلق بإعادة التصدير عبر طرف ثالث، كانت المكسيك قد اقترحت بالفعل فرض رسوم جمركية أعلى بكثير على السيارات وقطع الغيار القادمة من الصين. إلا أن ترامب دمج قضايا الأمن والتجارة التي كانت منفصلة سابقاً في تعامل واشنطن مع المكسيك، واستمر في تصعيد مطالبه حتى بعد تقديمها تنازلات، وهو ما يفسر الانتقاد التي وجهتها رئيسةُ المكسيك مؤخراً.
أما كندا، التي كانت في الجانب المتضرر أيضاً، فردت بعقد اتفاقية مع بكين تسمح بدخول عدد محدود من السيارات الكهربائية الصينية برسوم جمركية مخفضة. ويتعين على كل من كندا والمكسيك إعادة النظر في مستقبل قطاع السيارات لديهما. فرغم أهمية العلاقات مع السوق الأميركية، يجب موازنتها لتواكب التحولات الجذرية في صناعة السيارات العالمية، مثل تصاعد سوق السيارات الكهربائية، التي عارضها ترامب بشدة.كما تدفع ضغوطُ الولايات المتحدة جيرانَها إلى تنويع اقتصاداتها بعيداً عنها، وستدفع هي ثمن ذلك في شكل تفكك سلاسل التوريد، وارتفاع أسعار السيارات، وتراجع نفوذها الاقتصادي.
*كاتب متخصص في شؤون الطاقة
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


