جريدة الإتحاد - 6/14/2026 12:00:16 AM - GMT (+4 )
عندما توفي المفكر الفرنسي البارز إدغار موران قبل نحو أسبوعين من الآن عن عمرٍ ناهز المئة، كتَب كثيرون من أوروبا والعالم العربي عن نهاية حقبة المثقف المؤثّر. بل إنّ الدكتور السيد ولد أباه كتب هنا في صحيفة «الاتحاد» (الاثنين 8 يونيو 2026) عن «نهاية المثقف»، وهو يقصد أنّ القرن العشرين مرَّ بمرحلتين: مطالع القرن في الثقافة العلمانية ونهوض العلوم الإنسانية المتناكفة مع الدين، ثم في خمسينياته وستينياته عندما ظهر المثقف الإنتلجنسي، وهو الذي يمتلك عقليةً نضالية ومقولاتٍ تغييرية راديكالية ويقود الشباب في الشارع للتغيير الاجتماعي والسياسي على أساس الرفض والقطيعة مع الماضي، أو ما صار يُعرف بـ«اليسار الجديد». وقد تجلّى ذلك في عام 1968 عندما هزّت حشودُ الطلاب الشوارعَ في أميركا وأوروبا يقودهم جان بول سارتر ومفكرو مدرسة فرانكفورت. ومع أن فوكو ما كان يحب حركات سارتر العشوائية، فإنه - مثْله مثل جاستون باشلار - كان يريد قطيعةً مع الماضيين القريب والبعيد. وقد بلغ من راديكالية مطالب التغيير أنه صار يقال: أن تكون مع سارتر المخطئ خيرٌ من أن تكون مع ريمون آرون المصيب! وآرون مثقفٌ فرنسيٌ آخر كان يميل لليمين المحافظ ويخاف على الثقافة الفرنسية والدولة الفرنسية من ثورات الفتيان!
لقد أثّرت مقولات «الإنتلجنسي» في المشرق العربي، لكنها أثَّرت أكثر في المغرب وأفريقيا التي تنتشر فيها الثقافة الفرنسية. لكن عندما نقل إدوارد سعيد في كتبه ومقالاته هذه الأصداء الرفضية في الفكر والثقافة والعداء للاستشراق، شعر كثيرٌ من العارفين أن إدوارد سعيد يعتنق آراء ميشال فوكو ويريد تطبيقها، رغم اختلاف الأجواء في الولايات المتحدة عنها في أوروبا.
في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كان إدغار موران مستقرِّاً خارج الراديكاليات اليمينية واليسارية. وكان أكثر انشغالاً بالجانب الإنساني الاجتماعي والنفسي، سعياً للخروج من الحرب الباردة الناشبة في كل مكانٍ ما عدا المسرح الغربي، وذلك بالعمل على السِّلم وأُطروحاته، في حين كان آخرون من اليسار واليمين يريدون الحرب ولأسبابٍ أيديولوجية من ضمن الحرب الباردة. ولذا بدا موران من قلةٍ ظلت تؤمن بالسلام وأخلاقيات الإنسان.
وبسقوط الاتحاد السوفييتي انقضى زمن المثقف الإنتلجنسي وصعدت ثقافة السوق والهيمنة التي تستبيح شنَّ الحروب من أجل الديمقراطية! وراديكالية اليمين هذه واجهتها ثقافة وممارسات الإرهاب تحت اسم «المقاومة»، وهي المقاومة التي لا تزال مستمرةً حتى اليوم في نَزعات اختراق الدول وتقسيم المجتمعات.
في زيارة البابا ليون الرابع عشر لإسبانيا، قبل أيام، قال الإعلام الإسباني إنّ البابا بدا صوتاً صارخاً في البرية باسم السلام والأخلاق والحق الإنساني. لكن أين هم المثقفون الذين يرفعون راية السِّلم وسط الاستيلاء التكنولوجي وتسابُق الأسلحة للاشتباك في كل مكان؟
صحيح أن مثقّفي الاعتراض والقطيعة انتهوا من زمان. لكنّ مفكري السِّلم والتآلف يكادون ينقرضون أيضاً. وليست هناك تيارات ثقافية بارزة تحمل الدعوة للسلم وحقوق الإنسان. وقد كان هناك أمل كبير، بعد خمود موجات التطرف والإرهاب، أن تتبلور في الإقليم ثقافةٌ جديدةٌ للتسامح والعيش المشترك تدفع باتجاهها تعطُّشات الناس واحتياجاتهم الملحاحة. لكنّ إيران، بالتحرشات والاستهدافات، تحول دون ذلك، مرةً باسم المذهب، ومرةً باسم التحرير، ومرةً من دون ذكر أي سبب.. فمن أين تأتي ثقافة السلام؟!
*أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية
إقرأ المزيد


