البعد النفسي في تحليل حرب إيران
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

تلعب الحالة النفسية للقادة دوراً مهماً في الصراعات على الدوام. لكن نادراً ما أصبحت قضايا الحرب والسلام معتمدة إلى هذا الحد على الحالة الذهنية للخصوم كما هو الحال في الصراع الحالي بين الولايات المتحدة وإيران. وهو أمر يثير مخاوف بالغة. ورغم أن الحالة النفسية للمرشد الإيراني، مجتبى خامنئي، غير معروفة على وجه الدقة، لكنه بلا شك يتعرض لضغط هائل وغير مسبوق.

فخلال الضربات الجوية التي نُفذت في الأيام الأولى من الحرب، وردت أنباء عن فقدانه والده وزوجته وأحد أبنائه، بجانب خسارة عدداً من أفراد عائلته، بينهم شقيقته وابن أخيه وابنة أخيه وصهره، فضلًا عن تعرض أجزاء من جسده للإصابة أو البتر على ما يبدو.

كما يعاني آخرون من النخبة المحيطة به صدمات مماثلة. وعلى النقيض، نعرف الكثير عن الحالة النفسية للرئيس الأميركي، فقد هيمنت أخبار دونالد ترامب على الحياة العامة سواء في أميركا أو في دول أخرى بالعالم لما لا يقل عن عقد من الزمن، حيث إنه يطلق العنان لأفكاره في مختلف المناسبات، من نوبات النشر الليلية على منصة «تروث سوشيال» إلى المقابلات الصحفية، إلى أن يغادر غاضباً. ويثير أغلب تلك التصريحات الحيرة أو القلق. ففي الآونة الأخيرة، تذبذب تصريحات ترامب بين التنبؤ بقرب حلول السلام والتهديد باستئناف حرب شاملة.

تارة يصف قادة إيران الجدد بـ«العقلانيين»، وتارة أخرى يأمرهم بفتح المضيق، مهددهم بعواقب وخيمة. ولا يعتبر هذا السلوك طبيعياً، وذلك وفق نظرية تفترض أن القائد «العقلاني» يتظاهر باللاعقلانية لتحقيق مكاسب. غير أن الرأي السائد اليوم يرى أن عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات ترامب ليس مصدر قوة، بل مصدر ضعف ربما يُقوض مصداقيته.

فكيف يمكن لقادة إيران أن يثقوا بتعهداته لدرجة إبرام اتفاق، بينما أمر بقصفهم مرتين سابقاً، في يونيو الماضي ثم في فبراير الماضي، أثناء سير المفاوضات؟ وتؤثر العوامل النفسية في الخيارات الاستراتيجية والأخطاء بطرق أخرى. فكثيراً ما يتحدث إتش. آر. ماكماستر، أحد مستشاري الأمن القومي في ولاية ترامب الأولى، عن «النرجسية الاستراتيجية» كنقطة ضعف، مقابل «التعاطف الاستراتيجي» الذي يُعد نقطة قوة.

وعرف ماكماستر النرجسية الاستراتيجية بأنها الافتراض بأن الأفعال هي التي تحدد النتيجة، متجاهلاً أن العدو يشارك في صنع المستقبل.

وحرص ماكماستر على عدم انتقاد رئيسه السابق، ترامب، لكنه أوضح أن التعاطف الاستراتيجي كان سيقود إلى إدراك المخاوف والدوافع الوجودية للقادة الإيرانيين. أما ما يسود في البيت الأبيض فهو النرجسية الاستراتيجية فحسب، حسب رأيه.

وبالطبع، تتردد كلمة «النرجسية» في كل حديث يتناول نفسية ترامب. وقالت روز ماكديرموت، الأستاذة بجامعة براون ومؤلفة كتاب «علم النفس السياسي في العلاقات الدولية»، أن «بوصلة ترامب السياسية الحقيقية ليست طموحه، بل نرجسيته. فعندما يشعر بأنه لا يحظى بالتقدير والإعجاب الذي يستحقه، تتولد لديه نزعة عدوانية». مع ذلك، كان ترامب نرجسياً بالفعل خلال ولايته الأولى، ولم يكن يُشعل الحروب آنذاك. وكان لا يزال محاطاً ببعض المستشارين الذين كانوا يُصارحونه بالحقائق ويُثنونه عن بعض أفكاره.

أما في ولايته الثانية، فقد اختار ترامب بنفسه مستشارين يوافقونه على آرائه.

وأضافت ماكديرموت أن ترامب تظاهر أحياناً بأنه «لا يُبالي» بانهيار محادثات السلام، وأنه يجد الوضع برمته «مملًا للغاية»، أو سبب انسحابه المفاجئ من المقابلات الصحفية قبل انتهائها. وفي إحدى المرات، نشر ترامب تغريدة قال فيها: «ستموت حضارةٌ بأكملها الليلة، ولن تعود أبدًا». وإذا ما اشتدت هذه الحرب الزائفة، كما تُشير المناوشات التي شهدناها هذا الأسبوع، فلا يُمكن التنبؤ إلى أي مدى قد يصل هذا التصعيد.

بالنسبة لترامب، كانت تلك النشوة الأولى هي النصر السريع والسهل في فنزويلا في يناير الماضي. ثم سعى إلى تلك النشوة في الشرق الأوسط. والآن يُعاني من إحباط شديد لعدم إيجادها. وفي الجهة المقابلة، هناك خصوم تكبدوا خسائر تفوق ما يتخيله أغلب الناس، ولا يتفهمهم ترامب ولا يُحاول. ولا يوجد مزيج أخطر من ذلك.

*كاتب متخصص في الشؤون الدولية - رئيس تحريرسابق لصحيفة «هاندلسبلات غلوبال» الألمانية.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
     



إقرأ المزيد