الذكاء الاصطناعي و خاطر القرصنة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

عندما حاول مهندس البرمجيات سامي أزدوفال، الفرنسي المقيم في إسبانيا، استخدام وحدة تحكم «بلاي ستيشن 5» لقيادة مكنسته الروبوتية الجديدة في شقته، فعل ما يفعله أي هاوٍ مُولع بالتكنولوجيا في عام 2026: طلب من «كلود كود»، مساعد البرمجة بالذكاء الاصطناعي في شركة «أنثروبيك»، تصميم تطبيق مخصص للتحكم في المكنسة ومراقبتها عن بُعد. ثم لاحظ أزدوفال أنه يرى قرابة 7000 روبوت في منازل أشخاص غرباء في 24 دولة، في بث مباشر من الكاميرات، وتسجيلات صوتية مباشرة من الميكروفونات، ومخططات الطوابق، وجداول التنظيف، ومواقعها التقريبية. واكتشف برنامج «كلود كود»، وبشكل تلقائي، ثغرةً أمنيةً في نظام إدارة البيانات الخلفي للشركة المصنّعة، واستغلها، مما مكن جهاز أزدوفال من الوصول إلى أسطول الروبوتات بالكامل.
وعرض أزدوفال على صحفي كيفيةَ الوصول عن بُعد إلى مكنسة كهربائية يستخدمها زميلُه. وأكد أن المكنسة كانت تنظف غرفة معيشة زميله بنسبة 80% من البطارية، ورسم خريطة دقيقة لمنزله. أنجز أزدوفال ذلك في غضون دقائق من مكتبه في بلد آخر.
وسارع أزدوفال إلى إبلاغ الشركة المصنِّعة للمكانس الروبوتية، التي تمكنت من إصلاح الثغرة الأمنية. لكن ليس كل المهاجمين الإلكترونيين الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي بهذا اللطف.
لقد أصبح شن الهجمات الإلكترونية سهلاً للغاية لدرجة أن البعض يرتكبونها عن غير قصد. ورغم أن مطوري أدوات برمجة الذكاء الاصطناعي يتفاخرون بأنها تُسهل تطويرَ البرمجيات، فإنها أيضاً تُسهل على الجهات الخبيثة الوصولَ إلى هذه الأدوات.
 وفي خريف العام الماضي، اكتشفت شركة «أنثروبيك» أن مجموعة قرصنة قد تلاعبت بنظام «كلود» لتخطيط وتنفيذ هجمات إلكترونية بشكل مستقل ضد شركات التكنولوجيا الغربية والمؤسسات المالية ومصانع المواد الكيميائية والوكالات الحكومية. واستخرجت هذه الهجمات معلومات حساسة، بينها كلمات مرور وتفاصيل حسابات شخصية.
وكانت تلك الحملة غير مسبوقة من حيث استقلاليتها، حيث تُقدر «أنثروبيك» أن «كلود» قد أتمت ما بين 80 و90% من أعمال القرصنة، مثل اكتشاف الثغرات الأمنية واستخراج البيانات الحساسة. وجاء ذلك قبل إعلان «أنثروبيك» مؤخراً نموذجها الجديد «ميثوس»، الذي تقول إنه يتمتع بقدرات قرصنة متقدمة، لدرجة أنه اكتشف بالفعل ثغراتٍ أمنيةً خطيرةً في «جميع أنظمة التشغيل الرئيسية وجميع متصفحات الإنترنت الرئيسية».
وتعتبر أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تُلحق الضرر اليوم هي الأقل قدرة مقارنة بما يمكن أن تصبح عليه في المستقبل. وفي بيانها حول عملية القرصنة، كتبت شركة «أنثروبيك»: «انخفضت عوائق تنفيذ الهجمات الإلكترونية المعقدة بشكل كبير، ونتوقع استمرار هذا الانخفاض».
وحتى قبل ظهور الذكاء الاصطناعي، تمكن قراصنة آسيويون من سرقة أكثر من مليون رقم ضمان اجتماعي، وتواريخ ميلاد، وعناوين، وبصمات أصابع، وبيانات مالية، وسجلات صحية، عبر اختراق مكتب إدارة شؤون الموظفين الفيدرالي الأميركي. إلا أن الذكاء الاصطناعي سيجعل مثل تلك العمليات أسرع وأقل تكلفة وأكثر تدميراً.
ويعتقد بعض الخبراء، مثل أليكسي بولازيل، المساعد الخاص للرئيس في مجلس الأمن القومي، أن الهجمات الإلكترونية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ستُهزم أمام الدفاعات الإلكترونية المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وقد يثبت هذا صحة ذلك الاعتقاد على المدى البعيد. أما على المدى القريب، فقد يُحدث الذكاء الاصطناعي اختلالاً خطيراً، حيث يُسرع المهاجمون في تبني أدوات الذكاء الاصطناعي بينما يُبقي بعض المدافعين على أنظمة قديمة غير آمنة.
لذا، ينبغي للحكومة الأميركية تشجيع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في الدفاع الإلكتروني، مع جعل استغلالها لأغراض خبيثة أكثر صعوبة على المهاجمين. وتُعد استراتيجية الأمن السيبراني لأميركا، التي أطلقتها إدارة ترامب في مارس الماضي، بداية واعدة من الناحية الدفاعية، إذ تدعو الاستراتيجيةُ الحكومةَ الفيدرالية إلى «التطبيق السريع لأدوات الأمن السيبراني المدعومة بالذكاء الاصطناعي لكشف الجهات المُهددة وتضليلها وخداعها».
كما يتعين على الوكالات الفيدرالية تشجيع المؤسسات التي تُدير البنية التحتية الحيوية أو تتعامل مع المعلومات الشخصية للأميركيين على توظيف الذكاء الاصطناعي في مجال الدفاع السيبراني. ويُعد «تحدي الذكاء الاصطناعي السيبراني»، وهو مسابقة تُنظمها وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة لاستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي المتطورة لاكتشاف الثغرات الأمنية في برمجيات البنية التحتية الحيوية وإصلاحها تلقائياً، نموذجاً جيداً للمبادرات المستقبلية.
أما على الجانب الهجومي، فعلى الحكومة الفيدرالية تشجيع مطوري الذكاء الاصطناعي المتقدم على كشف ومنع الاستخدامات الخبيثة لتقنياتهم. إذ يستخدم العديدُ منهم حالياً أنظمةَ مراقبة آلية لكشف الاستخدامات الضارة. وهكذا تمكنت شركة «أنثروبيك» في نهاية المطاف من كشف حملة القرصنة التي يقوم بها قراصنة آسيويون.
كذلك ينبغي لواضعي السياسات الفيدراليين دعم تلك الأنظمة وتنظيم جهود فرق الاختراق لسد الثغرات. كما يمكنهم دراسة وضع لوائح لمنع الجهات الخبيثة من الوصول إلى قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، مثل إلزام قطاع الخدمات المالية بتبني بروتوكولات «اعرف عميلك».
وأخيراً، ينبغي للحكومة الأميركية وضع إجراءات موحدة للإبلاغ عن حوادث إساءة استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي المستقلة. وللتصدي لتلك المخاطر، يجب أن يدرك متخصصو الأمن السيبراني وواضعو السياسات والجمهور مدى انتشار وخطورة حملات القرصنة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.إنها لحظة بالغة الخطورة، ولكن مع اليقظة والمثابرة، تستطيع الحكومة الفيدرالية مساعدة المؤسسات على التكيف، دون المساس بخصوصية الأفراد أو المساس بالريادة التكنولوجية.


*خبير استراتيجيات النشر في مؤسسة «بالانتير» للتكنولوجيا والبرمجيات


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»



إقرأ المزيد