الإمارات وسياسة الحياد المناخي
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

الحياد المناخي هو الوصول إلى صافي انبعاثات صفرية من غازات الدفيئة، وذلك عبر خفض الانبعاثات الناتجة عن الأنشطة البشرية إلى أدنى مستوى ممكن وإزالة المتبقي منها بالاعتماد على زراعة الأشجار أو عبر استخدام تقنيات حديثة مثل التقاط الكربون وتخزينه لموازنة الكميات المنبعثة. ويهدف الحياد المناخي إلى وقف الاحتباس الحراري وتثبيت درجة حرارة الأرض عند مستوى لا يتجاوز 1.5 درجة مئوية مقارنةً بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، وهو ما يمثل طوقَ النجاة لتجنب الكوارث البيئية، بالإضافة إلى مراعاة التأثيرات البيوجيوفيزيائية الإقليمية أو المحلية للأنشطة البشرية مثل التغيرات في بياض السطح أو المناخ المحلي.
 وتعتبر استراتيجية دولة الإمارات العربية المتحدة للحياد المناخي 2050 برنامجاً ملموساً على مستوى الدولة لتحقيق أهدافها لخفض الانبعاثات، وهي الاستراتيجية التي أُطلقت عام 2021 وحددت الطموح المناخي لدولة الإمارات. وبعدها في عام 2022 أُطلق المسار الوطني للحياد المناخي فحدد الجدولَ الزمني وآليات التنفيذ المرحلي للمبادرة. ووُضعت الاستراتيجية لتكون بمثابة محرك وطني للتقدم الاقتصادي والاجتماعي عبر خفض الانبعاثات والإسهام في الجهود العالمية للتخفيف من أضرار المناخ، والتي بدورها سوف تسهم بتحقق حوالي 200 ألف وظيفة جديدة. 
وحددت دولة الإمارات 3 ممكنات ستسهم في خلق المنظومة التمكينية اللازمة لتحقيق استراتيجية الحياد المناخي 2050، وتشمل تنفيذ آليات تمويل العمل المناخي، وتطوير تقنيات جديدة من خلال دعم البحث والتطوير، ووضع خطة ديناميكية لتطوير وصقل المهارات والقدرات. كما سيتم التركيز على زيادة نسبة الطاقة النظيفة ورفع كفاءة الاستهلاك والتحول إلى أنظمة النقل المستدام، والمباني الخضراء، علاوة على استخدام الحلول القائمة على الطبيعة وتقنيات التقاط الكربون. لذا فهناك حاجة ملحة إلى تكثيف الزخم الجماعي بشأن مصداقية التخلص من الكربون بطرق علمية ومن أجل اتباع نهج من القاعدة إلى القمة لتحقيق رؤية الإمارات للحياد المناخي واتفاقية باريس. 
وتلعب الجهات الفاعلة غير الحكومية دوراً رئيسياً في دفع الزخم وجعله زخماً قابلا للتطوير. وفي هذا الإطار ينغي تزويد قادة الأعمال والجهات الفاعلة غير الحكومية بالأدوات والمعارف والرؤى وزيادة التعاون الشامل، مما سيساعد على فهم أهمية التخلص من الكربون بشكل أفضل والانضمام إلى الجهود لزيادة الطموح وتنفيذه. وتتمثل الأهداف الرئيسية للخطة الوطنية للتغير المناخي، في إدارة انبعاثات الغازات الدفيئة على مستوى الدولة مع الحفاظ على النمو الاقتصادي المستدام، وتقليل المخاطر وتحسين القدرة على التكيف مع التغير المناخي، وتعزيز التنوع الاقتصادي على مستوى الدولة من خلال حلول مبتكرة بالتعاون مع القطاع الخاص، وتعزيز الدور الريادي لدولة الإمارات إقليمياً ودولياً في مجال العمل المناخي على ضوء اتفاق باريس وأهداف التنمية المستدامة. وضِمن هذا الإطار، وضعت الإماراتُ البرنامجَ الوطني لإدارة الطلب على الطاقة والمياه، الذي يهدف إلى زيادة كفاءة أهم 3 قطاعات مُستهلكة للطاقة، وهي: النقل والصناعة والبناء. 
وقد استضافت دولة الإمارات مؤتمرَ الأطراف الثامن والعشرين المعني بتغير المناخ (كوب 28)، لعام 2023، والتزمت بلعب دور عالمي في المفاوضات الرامية لزيادة الالتزامات وضمان التنفيذ الفعال لخفض الانبعاثات، وأعلنت طموحَها للوصول إلى الحياد المناخي بحلول عام 2050، مما يخلق فرصاً جديدة للعمل المناخي. 
ويتوقع أن يؤدي التخلص من الكربون في اقتصاداتنا إلى تعزيز تنمية قطاعات اقتصادية جديدة، وخلق وظائف جديدة أيضاً، والحفاظ على رفاهية الإنسان عامة، لذا يجب تعزيز الحوار حول العمل المناخي، ووضع القطاع الخاص في طليعة الجهود المبذولة للحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وتمكين المجتمع المدني من المساهمة في خفض الكربون. 
في مؤتمر الأطراف الحادي والعشرين بباريس 2015 توصلت الأطراف، ولأول مرة في التاريخ، إلى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، والهادفة إلى تسريع وتكثيف الإجراءات والاستثمارات اللازمة لمستقبل مستدام منخفض الكربون. وهي الاتفاقية التي وقعتها معظم الدول، في مسعى مشترك لمكافحة تغير المناخ والتكيف مع آثاره، مع تقديم دعم مُعزز لمساعدة الدول النامية على تحقيق هذا الهدف. 
ويهدف اتفاق باريس بشكل أساسي إلى تعزيز الاستجابة العالمية لخطر تغير المناخ، وذلك بالحفاظ على ارتفاع درجة حرارة الأرض خلال هذا القرن دون درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، ومواصلة الجهود للحد من هذا الارتفاع إلى 1.5 درجة مئوية. كما يسعى إلى تعزيز قدرة الدول على التعامل مع آثار تغير المناخ، وضمان توافق التدفقات المالية مع مسار منخفض الانبعاثات وقادر على الصمود في وجه التغير المناخي. وتجري مراجعة عالمية كل خمس سنوات بعد ذلك، لتقييم التقدم الجماعي نحو تحقيق أهداف الاتفاقية بطريقة شاملة. وتُسهم نتائج هذا التقييم في إطلاع الأطراف على كيفية تحديث إجراءاتها وتعزيزها، ودعم التعاون الدولي في مجال العمل المناخي وتثمينه.
وفي ظّل التحديات البيئية المتزايدة التي يواجهها كوكب الأرض، يزداد الوعي العالمي بأهمية التحّول نحو اقتصاد أخضر ومستدام، وبالتالي يعتبر خفض الانبعاثات الكربونية وتحقيق الحياد الصفري من أهم أهداف الاستدامة العالمية، حيث تسعى الدول والمنظمات والمؤسسات المختلفة إلى تبّني ممارسات صديقة للبيئة تساهم في الحّد من التغّير المناخي. 
 
*خبير في الطاقة المتجددة



إقرأ المزيد