جريدة الإتحاد - 6/18/2026 12:15:53 AM - GMT (+4 )
وُلِدت مجموعة السبع في منتصف سبعينيات القرن الماضي من رحم أزمة اقتصادية عاصفة، فاجتمعت كبرى الاقتصادات العالمية لتنسيق مواقفها، حتى غدت منبراً تُرسم عنده ملامح النظام الدولي وتُصاغ توازناته الكبرى. ومن هذا الموقع الرفيع، جاءت دعوة دولة الإمارات إلى قمة إيفيان حضوراً يتكرّر للمرة الثالثة على التوالي، شهادةً على رسوخ مكانتها في معادلة القرار العالمي، وثقلاً تُصغي إليه عواصمُ العالم.
يشهد العالم اليوم تحوّلاً عميقاً في موازين السياسة الدولية، إذ تتبدّل التحالفات وتُعاد صياغة الأولويات على وقع أزماتٍ متلاحقة. وحين امتدّت الهجمات الإيرانية العدوانية إلى الإمارات ودول المنطقة، مستهدفة منشآتٍ مدنية بالصواريخ والمسيّرات، وقفت الدولة موقفاً سياسياً صريحاً يُدين ويردع هذا التطاول على سيادتها. وعبر منظومات دفاعها المتقدمة، اعترضت آلاف الهجمات بكفاءةٍ عالية، لتجمع بين حكمة السياسة وشجاعة الردّ، فتُدرك العواصم أنّ صوت الاعتدال يقترن دوماً بالقدرة على صون الذات.
تتجاوز مكانة الإمارات حدود جغرافيتها لتغدو رقماً صعباً في المعادلات الدولية الكبرى. فهي شريكٌ موثوق في ملفات الطاقة وأمنها، وفاعلٌ محوري في حفظ استقرار الشرق الأوسط وممرّاته الحيوية التي تتنفّس منها الاقتصادات العالمية. وحين تشتدّ الأزمات الإقليمية، تبادر أبوظبي إلى ردع العدوان وإطفاء النيران، مستندةً إلى رصيدٍ من الثقة بنته على مدى عقود. ومن خلال شبكة شراكاتها الممتدة من واشنطن إلى أوروبا، وفي الشرق والغرب، رسّخت لنفسها دور الجسر الذي يصل ضفاف المصالح المتباعدة، وحارساً أميناً لاستقرارٍ إقليميٍّ تنعكس مفاعيله على العالم بأسره.
تنهض الدبلوماسية الإماراتية على فلسفةٍ عميقة، مفادها أنّ السلام يُبنى بجناحين: قوةٍ تردع الطامعين، وحكمةٍ تفتح أبواب السلام. فالسلام عند الإمارات فعلٌ إراديٌّ يُصنع بالعقل والإرادة، إذ ترى أنّ القوة وحدها تحفظ هيبة الدولة، وأنّ الحوار وحده يحوّل تلك الهيبة إلى استقرارٍ دائم. ومن هذا المنطلق، انخرطت في مبادرات السلام وصناعة الجسور بين الأطراف المتنازعة، ومدّت يد العون الإنساني حيث تشتدّ المحن، مؤمنةً بأنّ صناعة السلام رسالةٌ حضاريةٌ ترقى بالأمم.
في قلب هذا المشهد يقف صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة حفظه الله، قائداً متميزاً بخبرته وتجربته وإحساسه الكبير بالمسؤولية، حتى غدا اسمه عنواناً للحكمة في زمنٍ اضطربت فيه البوصلة. تنظر إليه العواصم الكبرى بعين التقدير، وتقصد رأيه في معضلات المنطقة الشائكة، لِما عُرف عنه من رجاحة عقلٍ وبُعد نظر. وقف الرجل شامخاً في وجه التطرف والإرهاب، مدركاً أنّ الإرهاب بأشكاله خطرٌ يهدد الإنسانية جمعاء، فجعل من محاربته عقيدةً راسخة ونهجاً ثابتاً، يقرن فيه صلابة الموقف بسماحة الرؤية، فاستحقّ بذلك ثقةً عالميةً نادرة.
وتكشف هذه الحظوةُ المتكررة عن قراءةٍ دقيقة للحظة التاريخية التي يمرّ بها العالم. فالنظام الدولي يتجه نحو التعدّدية القطبية، حيث تتسع مساحة الفعل أمام القوى المتوسطة التي تُحسن إدارة أوراقها بعقلٍ وحكمة. وقد أدركت الإمارات هذه الحقيقة باكراً، فحوّلت محدودية المساحة إلى عمقٍ استراتيجيٍّ صنعته الرؤية، والثروة إلى أداة نفوذٍ ناعمٍ يخدم مصالحها العليا. فحين تجلس دولةٌ خارج مجموعة السبع على طاولة قادته ندّاً تُستشار، فذلك إعلانٌ عن منطقٍ جديد في العلاقات الدولية، يقيس وزن الأمم بجودة سياساتها وحكمة قراراتها، ويمنح صاحب الرؤية مقعداً يليق بإسهامه في صياغة المستقبل.
وإلى جانب الإمارات، حضرت دولة قطر بقيادة الأمير تميم بن حمد آل ثاني، حاملةً رصيداً دبلوماسياً مرموقاً في الوساطة وصناعة التهدئة. وهي جهودٌ تحظى بتقدير أبوظبي وإشادتها، تعبيراً عن وعيٍ خليجيٍّ مشترك بأنّ مصلحة المنطقة تُصان بتكامل الأدوار وتضافر الإرادات.
يبقى حضور الإمارات في إيفيان شهادةً ناطقة على ثقة العالم بها صوتاً للاعتدال العربي في زمنٍ عَلَت فيه أصوات العبث. فحين تُعطى دولةٌ هذه المكانة بين الكبار، يكون ذلك تتويجاً لمسيرةٍ آمنت بأنّ العقل أبقى من الظلام، والاعتدال أعمق أثراً من الصخب. وهكذا تكتب الإمارات اسمها على صفحة المستقبل بمدادٍ من حكمةٍ تليق بإرثها وحاضرها.
*كاتب إماراتي
إقرأ المزيد


