جريدة الإتحاد - 6/18/2026 12:21:49 AM - GMT (+4 )
أدى الطرح العام الأولي لشركة «سبيس إكس» إلى جعل إيلون ماسك أول تريليونير في العالم. ووفقاً لبيانات جمعتها وكالة بلومبيرغ، يمتلك أغنى عشرة أشخاص في العالم ثروات تبلغ نحو 150 مليار دولار أو أكثر، ويتصدرهم ماسك بثروة تصل 1.11 تريليون دولار. ويتطلب دخول قائمة أغنى 25 شخصاً في العالم امتلاك ما لا يقل عن 80 مليار دولار. والملياردير فاحش الثراء، وبالتأكيد التريليونير أيضاً، يمتلك موارد تقترب من موارد كثير من الدول القومية أو حتى تتجاوزها.
في ذروة ثروته عام 1913، كان جون دي روكفلر يسيطر على حصة من الاقتصاد الأميركي تشبه الحصة التي يسيطر عليها ماسك اليوم. لكن الجديد هو العدد الهائل من الأشخاص الذين يمتلكون ثروات تكاد تكون بلا حدود، ومدى سهولة تحويل هذه الثروات إلى نفوذ وسلطة. ويصف عالم السياسة جيفري وينترز الولايات المتحدة بأنها «أوليغارشية مدنية»، أي نظام تهيمن عليه قلة ثرية. فالأثرياء فيها تخلوا منذ زمن طويل عن السلاح واستعاضوا عن الجنود بالمحامين، لأن الدولة الأميركية تتولى حماية ثرواتهم. غير أن هذا الاتفاق بدأ يتصدع. وأحياناً يكون التصدع مباشراً.
فمن خلال شركة «سبيس إكس»، يسيطر ماسك على واحدة من أهم شركات الصناعات الدفاعية المتعاقدة مع الحكومة الأميركية. وتواصل قوة الفضاء الأميركية إسناد عمليات إطلاق الصواريخ إلى «سبيس إكس» في مهام لا يستطيع منافسها الوحيد تنفيذها. بل إن لماسك سياسة خارجية خاصة به. ففي عام 2022، رفض توسيع تغطية خدمة «ستارلينك» فوق شبه جزيرة القرم، مما أدى إلى تعطيل ضربة أوكرانية كان مخططاً لها ضد الأسطول الروسي. وفي مبادئ العلوم السياسية، تُعرف الحكومة بأنها الكيان الذي يحتكر الاستخدام المشروع للعنف.
ولم ينكسر هذا الاحتكار، لكنه يتعرض لضغوط أكبر من أي وقت مضى منذ أن استعان هنري كلاي فريك بعناصر وكالة الأمن الخاصة «بينكرتون» لكسر إضراب العمال في هومستيد بولاية بنسلفانيا عام 1892، مما أدى إلى مواجهات مسلحة بين الحراس والعمال أسفرت عن قتلى وجرحى. وفي أحيان أخرى، يكون التصدع غير مباشر. ففي انتخابات الرئاسة الأميركية لعام 2024، أنفق ستة أميركيين أكثر من مئة مليون دولار لكل منهم على الانتخابات.
وتبرع ماسك بنحو 291 مليون دولار، وهو أكبر مبلغ قدمه أي شخص، لدعم الحزب الجمهوري. كما تبرع تيموثي ميلون، وريث ثروة عائلة ميلون الشهيرة في عصر الثراء المفرط الأميركي، بأكثر من 190 مليون دولار. وتفوق تبرعات الأثرياء ما يستطيع المرشحون جمعه بأنفسهم. ففي ولاية أوهايو، التي شهدت أغلى سباق انتخابي لمجلس الشيوخ عام 2024، جمعت الحملات الانتخابية نحو 113 مليون دولار.
أما ماسك فأنفق وحده أكثر من إجمالي ما أنفقه جميع المرشحين تقريباً. ولم تكن العلاقة بين المال والسلطة في الولايات المتحدة في يوم من الأيام أكثر ربحية مما هي عليه الآن. وتعد تلك مشكلة أزلية تواجه الجمهوريات. فقد كان ماركوس كراسوس أغنى رجل في روما القديمة، لدرجة أنه كان يرى أنه لا يوجد رجل ثري حقاً إلا إذا كان قادراً على تمويل جيش من ماله الخاص. وأنفق ثروته الطائلة على تمويل يوليوس قيصر وبناء الحكم الثلاثي الذي همّش مجلس الشيوخ، وأطاح بالجمهورية الرومانية.
لكن في فبراير 1902، وبعد أن تحركت وزارة العدل في عهد الرئيس ثيودور روزفلت لتفكيك احتكار السكك الحديدية، جاء جيه بي مورغان، أقوى ممول في ذلك العصر، إلى البيت الأبيض عارضاً التسوية، إلا أن روزفلت رفض، قائلاً إن القضية لا تُدار بهذه الطريقة، وإن الهدف ليس التسوية بل إنهاء الوضع المخالف. وفيما بعد، قال روزفلت إن مورغان كان ينظر إليه باعتباره منافساً قوياً وليس فقط رئيس دولة. وقد فاز روزفلت في قضيته ضد مورغان بفارق صوت واحد فقط في المحكمة العليا، ثم اضطر لاحقاً إلى الاستعانة بمساعدة مورغان لإنهاء إضراب عمال الفحم الذي كان يهدد بتجميد البلاد في الشتاء القارس.
وظل مورغان رجلاً نافذاً، لكن الحكومة الأميركية بقيت صاحبة السلطة العليا. وكان كراسوس سيجد له مكاناً بسهولة في أميركا اليوم. فقد موّل ماسك الحملة التي أوصلت ترامب إلى الرئاسة للمرة الثانية. ثم عمل داخل الإدارة الجديدة، حيث قام بتقليص هيئات وأجهزة كانت تنظم وتراقب شركاته. ويرى اقتصاديون درسوا دول الكتلة السوفييتية السابقة أن بعض الأثرياء هناك انتقلوا من مجرد التأثير على القوانين إلى شرائها بالكامل، وأطلقوا على ذلك اسم «الاستحواذ على الدولة». أما النسخة الأميركية من هذه الظاهرة فهي قانونية في أغلبها.
وفي العام الماضي، تصادم «ملوك» العصر الحديث، حيث هدد ترامب بإلغاء العقود الفيدرالية الممنوحة لماسك، بينما هدد ماسك بإيقاف تشغيل الكبسولة الفضائية التي تعتمد عليها «ناسا» للوصول إلى محطة الفضاء الدولية. وخلال ساعات تراجع الطرفان، كقوتين متنافستين تتفاوضان على هدنة مؤقتة. لقد رسخ رفض روزفلت، على مدى قرن، فكرةَ أن الشعب وحده هو صاحب السيادة في أميركا. لكن هذا لن يدوم. إذ تُعد ثروة ماسك علامة فارقة في عالم الثروة، وهو أيضاً مؤشر على عودة السؤال القديم: في الجمهورية، يُفترض أن هناك شيئاً واحداً لا يُمكن شراؤه بالمال. ونحن على وشك أن نكتشف ما إذا كان ذلك صحيحاً أم لا.
*كاتب متخصص في إدارة الشركات والابتكار.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


