جريدة الإتحاد - 6/18/2026 12:54:59 AM - GMT (+4 )
على ضفاف بحيرة ليمان، في مدينة إيفيان الفرنسية، جلس صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بين قادة أكبر اقتصادات العالم في الدورة الثانية والخمسين لقمة مجموعة السبع، تلبيةً لدعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. ولم يكن ذلك الحضور مجاملةً بروتوكوليةً، بل اعترافاً دولياً بمكانة دولةٍ استطاعت أن تتحول خلال عقود قليلة إلى شريكٍ مؤثرٍ في القضايا الاقتصادية والسياسية والتنموية العالمية.
وحين تُدعى دولة ليست عضواً في مجموعة السبع إلى طاولة تضم أكبر الاقتصادات في العالم، فإن الرسالة تتجاوز حدود جدول الأعمال. إنها رسالة مفادها أن الإمارات لم تعد تنتظر التقدير، بل أصبحت تصنعه.
وقد لخّص معالي الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة، هذه الحقيقة عندما أشار إلى أن النجاح يولّد التقدير، والتقدير يدفع إلى مزيد من الطموح والإنجاز. إنها معادلة لا تعرف الاكتفاء؛ فكلما ارتفع المنجز اتسع الاعتراف، وكلما اتسع الاعتراف ارتفع سقف الطموح.
ولم تأتِ هذه المكانة من فراغ، بل هي نتيجة رؤية طويلة المدى آمنت بالإنسان أولاً، وجعلت التنمية هدفاً دائماً لا مشروعاً مؤقتاً.
ففي منطقة اعتاد كثيرون فيها تبرير الإخفاق بالظروف والتحديات، اختارت الإمارات أن تصنع واقعها بنفسها، وأن تراهن على التعليم والاقتصاد والانفتاح والشراكات الدولية. ولم يكن ذلك مجرد شعار، بل نهج عمل متواصل أثبت أن الطموح المدعوم بالإرادة قادر على تجاوز محدودية الجغرافيا وقلة الموارد الطبيعية مقارنة بدول أكبر حجماً.
واليوم لم تَعُد الإمارات مجرد اقتصاد ناجح في محيطها الإقليمي، بل أصبحت شريكاً مؤثراً في أمن الطاقة العالمي، ومركزاً مالياً ولوجستياً يربط الشرق بالغرب، ولاعباً رئيسياً في قطاعات المستقبل من الذكاء الاصطناعي إلى الطاقة النظيفة والاستثمارات الاستراتيجية. ولهذا بات حضورها في المحافل الدولية الكبرى مرتبطاً بما تقدمه من حلول وشراكات ومبادرات، لا بحجمها الجغرافي أو عدد سكانها.
وللأرقام لغة لا تجامل. فالإمارات تُعَدُّ من أكبر المستثمرين السياديين في العالم، وتدير مؤسساتها الاستثمارية أصولاً تتجاوز تريليونات الدولارات موزعة على مختلف القارات والقطاعات.
وقد انعكس ذلك في دور اقتصادي يتجاوز حدود المنطقة ليصبح جزءاً من معادلة الاستقرار والنمو في الاقتصاد العالمي.
غير أن أهم عناصر هذه المكانة لا تكمن في الأرقام وحدها، بل في الثقة. ثقة المستثمر الذي يرى في الإمارات بيئة مستقرة وجاذبة للأعمال، وثقة المجتمع الدولي الذي يرحب بدورها في الوساطة وصناعة الحلول، وثقة الملايين من المقيمين الذين اختاروها مكاناً للعمل والعيش وبناء المستقبل. وعندما تجتمع هذه الثقة من مختلف الأطراف، فإنها تصبح دليلاً واضحاً على نجاح نموذج تنموي متكامل بُني على الإنجاز لا على الشعارات.
ولم تذهب الإمارات إلى إيفيان لتشارك في الحوار فحسب، بل لتسهم في صياغة الحلول. فقد أكد صاحب السمو رئيس الدولة أن المشاركة تمثِّل فرصة لتعزيز الحوار حول قضايا السلام والاستقرار والتنمية، وهي مبادئ جسَّدتها الإمارات عملياً من خلال جهودها الإنسانية ومبادراتها الدبلوماسية ووساطاتها الدولية، بما في ذلك دورها البارز في تقريب وجهات النظر في عدد من الملفات الدولية المعقدة.
وفي هذا المشهد درس مهم يتجاوز المناسبة نفسها. فالقيادة الاستراتيجية لا تُقاس فقط بقدرتها على الوصول إلى القمة، بل بقدرتها على تحويل كل نجاح إلى نقطة انطلاق جديدة. والإمارات أتقنت هذه المعادلة؛ فهي تنظر إلى كل إنجاز باعتباره بداية لمرحلة أخرى من العمل والطموح، لا محطة للاكتفاء والركون.
ومن إيفيان تؤكد الإمارات مجدداً حقيقة بسيطة وعميقة في آن واحد: أن التقدير لا يُستجدى بل يُصنع بالعمل، وأن المكانة الدولية لا تُمنح بل تُكتسب بالإنجاز، وأن الطموح لا سقف له ما دام البناء مستمراً والإرادة حاضرة والرؤية واضحة.
*لواء ركن طيار متقاعد.
إقرأ المزيد


