جريدة الإتحاد - 6/18/2026 11:10:45 PM - GMT (+4 )
علن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بفخر أمام حشد من المهندسين والمستثمرين، خلال مؤتمر تقني في لندن الأسبوع الماضي، أن المملكة المتحدة تعتبر «ثالث أكبر اقتصاد تكنولوجي في العالم»، وأن نصف الاستثمارات الموجهة إلى الشركات الناشئة في أوروبا تتدفق إلى بريطانيا. ثم منح ستارمر في الخطاب نفسه شركات التكنولوجيا مهلةَ ثلاثة أشهر لمنع هواتف الأطفال من إرسال أو استقبال صور فاضحة. وأعقب ذلك إعلانَه حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن الـ16.
ويستجيب ستارمر لما يريده الناخبون، وكذلك مجموعة من نواب حزبه، الذين سيرحبون بنهج أكثر تشدداً تجاه جوانب الثورة التقنية التي يعتقدون أنها تضر بأطفالهم وتهدد الديمقراطية البريطانية.لكن هذا يتعارض مع توجه الحكومة الأوسع نحو «التقدم التكنولوجي»، والذي يبدو أنه يضع هذا القطاع، والذكاء الاصطناعي تحديداً، في صميم جهود إنعاش النمو في المملكة المتحدة. وقد وعد ستارمر بتوفير «أفضل شريك حكومي لرواد الأعمال التقنيين في العالم». وعندما أطلقت حكومته خطة عمل فرص الذكاء الاصطناعي، استناداً إلى 50 توصية من المستثمر التقني «مات كليفورد».
وحين يقول ستارمر إن بيئة التكنولوجيا المزدهرة في بريطانيا تميزها عن نظيراتها الأوروبيات، فهو على صواب في هذا، إلا أن تلك الميزة تعتمد، في النهاية، على تدفق مستقر لرأس المال الأجنبي، لا سيما من مالكي وممولي المنصات والشركات التي تسعى الحكومة البريطانية إلى السيطرة عليها.
وتتجلى تلك التناقضات في مواقع أخرى داخل الحكومة أيضاً. فالمسؤولون قلقون بشأن تأثير شركات التكنولوجيا الكبرى على السياسة والشباب، بينما يُطلقون أدوات ذكاء اصطناعي جديدة للباحثين عن عمل والطلاب من ذوي الدخل المحدود.
وربما يكون هذا النهج المتناقض مستداماً إذا ما أمكن التمييز بوضوح بين «التكنولوجيا الجيدة» و«التكنولوجيا السيئة». لكن الجميع يجد الأمر صبعاً، بما يشمل الحكومة البريطانية. كما أن المملكة المتحدة لم تقتصر على استهداف وسائل التواصل الاجتماعي فقط، حيث اتخذت هيئة مكافحة الاحتكار البريطانية إجراءات ضد شركتي «آبل» و«غوغل»، على سبيل المثال، مطالِبةً بإجراء تغييرات على متاجر تطبيقاتهما والسماح لشركات التكنولوجيا المالية البريطانية بتجربة بدائلها لمحفظة آبل على أجهزة آيفون. وفي وقت سابق من العام الحالي، تراجعت الحكومة عن خططها للسماح لمختبرات الذكاء الاصطناعي الأميركية بتدريب نماذجها على مواد محمية بحقوق الطبع والنشر.
وكما هو الحال مع كثير من تراجعات ستارمر وأنصاف الحلول التي يقدمها، فإن هذه السياسات تمثل محاولةً للإبقاء على تماسك تيارات متنافسة تحمل رؤى متناقضة، حيث يوجد صراع داخل المؤسسة البريطانية لم يُحسم بعد بشأن شركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة، وهو خلاف يُقسم حزب العمال لكنه يتجاوز الحزب الحاكم.
ويضم حزب العمال العديد من أعضاء البرلمان الذين يرون أن مهمتهم الأساسية في الحكومة هي تحفيز النمو والاستثمار وخلق فرص العمل. ولا يتصور هؤلاء بسهولة عالماً يرفضون فيه الميزة الاقتصادية للريادة في سباق التكنولوجيا. ويشمل ذلك أيضاً بعضاً من أنصار «العلاقة الخاصة» القديمة بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة، والذين يُظهرون موقفاً جديداً، إضافة إلى مجموعة من المتفائلين بمستقبل بريطانيا ومؤيدي التكنولوجيا الذين يؤمنون إيماناً راسخاً بأن مستقبل بريطانيا يعتمد على ريادتها في هذا المجال.
وفي المقابل، يقف تحالف مُشتت وغير مُترابط يُفضل السيادة على النمو. ويشعر الكثيرون من يسار الوسط بالاستياء من إسناد البلاد مسؤوليات تربية الأطفال، والحَوكمة والصحة والأمن، وغيرها إلى شركات كبرى لا يثقون بها. ويُعد وجود غالبية تلك الشركات في أميركا سبباً إضافياً لاستيائهم.
وينتمي المُؤيدون لأوروبا أيضاً إلى هذه المجموعة، وهم يدركون أن مُقاومة الهيمنة الأميركية لن تكون فعالة إلا إذا كانت بالتنسيق مع بروكسل. وهناك أيضاً الكثير من الرافضين من يمين الوسط، الذين لا يرون كيف يُمكن استعادة عظمة بريطانيا ما لم تجد طريقة لتسخير هذه الصناعات الجديدة وسلاسل التوريد لإرادتها.
ولا يساعد على تهدئة هذا الجدل أن الخلاف بين الطرفين المتعارضَين يتأثر بالاعتبارات الجيوسياسية الراهنة بقدر تأثره بالسعي لتحقيق نمو اقتصادي بريطاني مستدام خلال العقد المقبل. فالمؤيدون لشركات التكنولوجيا الكبرى يخشون أن يؤدي الإفراط في مهاجمتها داخل «وستمنستر» إلى جذب انتباه أقوى شخصية في واشنطن: دونالد ترامب. وقد يؤدي ذلك إلى تدمير الهدنة الهشة التي نشأت بين البلدين الحليفين اسمياً.
أما المعسكر الآخر، المعروف لدى البعض باسم «مجموعة لاف أكتشولي»، في إشارة إلى فيلم لرئيس الوزراء الخيالي الذي جسده هيو غرانت في الفيلم الشهير عندما وقف في وجه رئيس أميركي متسلط، فإنه يرغب في رؤية ذلك تحديداً. ويأمل كثيرون داخل حزب العمال أن يؤدي الابتعاد عن مليارديرات التكنولوجيا غير المحبوبين، وهم حلفاء ترامب، إلى تعزيز الثقة بالحكومة. وقد هاجم ستارمر مؤخراً إيلون ماسك، مالك منصة «إكس»، متهماً إياه بـ«التدخل في شؤوننا السياسية»، مشيراً إلى أن المعارضين لشركات التكنولوجيا الكبرى هم الطرف الأقوى في الوقت الراهن.
وفي مرحلة ما، ستُحسم هذه التناقضات. لكن من غير المرجح أن يحدث ذلك نتيجة قرار واع يتخذه مقر رئاسة الوزراء في داونينغ ستريت. فترامب يستخدم تفوق الولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي كسلاح وأداة من أدوات السياسة الأميركية. وأي دولة، سواء أكانت حليفة أم لا، تحاول شق طريق مستقل داخل المشهد التكنولوجي الجديد، ستثير غضبه. وعندئذ، لن تكون أنصاف الحلول مجدية، وسيتعين على ستارمر، أو مَن يخلفه، أن يختار أحد الجانبين.
*باحث بمؤسسة «أوبزرفر للأبحاث» - نيودلهي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


