جريدة الإتحاد - 6/20/2026 12:26:57 AM - GMT (+4 )
مع بدء مباريات كأس العالم لكرة القدم، سيظل السؤال الجوهري ودائم التكرار ما تأثير الرياضة على السياسة؟ والعكس: ما تأثير السياسة على الرياضة؟ البعض ينظر إلى هذا الحدث على أنه حدث سياسي بالأساس، وليس رياضياً بالمعنى المتعارف عليه في ظل دخول الرياضة ضمن حسابات القوة الشاملة التي تقاس من خلالها قدرة الدول على تحقيق الإنجازات المشرّفة. ومن ثم فإن الرياضة في العموم ولعبة كرة القدم على وجه الخصوص باتت بالفعل أحد العناصر الحاسمة في طرح المقارنات بين الدول الكبرى والصغرى.
والنظام الكروي الراهن بات أيضاً في حاجة إلى إعادة نظر وتأكيد مع الوضع في الاعتبار أن الولايات المتحدة الأميركية القوة الرئيسية على رأس النظام الدولي الراهن، ولسنوات طويلة دولة عادية ليس لها إنجازات كبرى في لعبة كرة القدم، مقارنةً بدول متقدمة في هذه اللعبة، مثل البرازيل والأرجنتين في أميركا اللاتينية، بما يؤكد أن النظام الكروي الراهن لم تتغير فيه كثير من الأمور، خاصة أن الدول التي تشارك في هذا الحدث العالمي لا تنظر إلى وجودها في البطولة، وكفى بل في الأساس التمثيل المشرف والسعي إلى تحقيق إنجازات حقيقية، وليس الذهاب إلى البطولة وكفى، ومن الواضح أن هذه الدول المشاركة تعمل على نقل رسالة بوجودها في أكبر فعالية رياضية في العالم..
ينظر للاتحاد الدولي الفيفا، بأن أشبه بدولة، وأنه يدير العديد من الأصول الرياضية، وأنه يعمل وفق منظومة رياضية معقدة حيث مراكز التأثير الدولية والنفوذ العالمي، وقد كشفت بعض التحقيقات الدولية باتهام بعض المسؤولين الكبار في الفيفا بأن الأمر أكبر من الرياضة، ومن لعبة كرة القدم خاصة مع حجم تعامله مع الاستثمارات الكبرى، والتي تصل إلى ميزانيات دول كبرى، وبما يؤكد مكانة الفيفا، والذي تردد في توقيت محدد بأنه يمكن أن يلتحق بالأمم المتحدة خاصة وأنه يتعامل كدولة مستقلة لها قرارها وعلمها الشهير، وقيادات رياضية بل وسياسية واقتصادية كبيرة ما قد يعطي دلالات بأن الفيفا له ثقل كبير ومؤثر.
من هذا المنطلق، فإن مباريات المونديال ليست حدثاً رياضياً فقط، بل تعكس السياسة تأثيراتها الكبرى على البطولة العالمية، خاصة مع مشاركة دول مثل إيران والولايات المتحدة، وفي ظل صراعات كبرى تحكم المشهد السياسي العالمي، وتلقي بتأثيراتها على ما سيجري خاصة أن المونديال ساحة كبرى للعديد من المقاربات، التي تربط الحدث الرياضي بالسياسي بالأمني بل والاقتصادي من حيث إدارة الاستثمارات الكبرى داخل الفيفا، وما تحصل عليه الدول المشاركة من تمويل.
ومن الواضح حرص الفيفا على الخروج بالحدث إلى بر الأمان، ولهذا فإن الدول المستضيفة تقوم بترتيب أوضاعها في مختلف القطاعات والنظر إلى الحدث الدولي على أنه مرتبط بمكانة وقدرة الدول على تقديم نفسها بالفعل، وبما يسمح بالخروج بمشهد المونديال بما يليق بمكانة وسمعة الفيفا، التي تأثرت في توقيت معين بمحاكمة بعض عناصره..
إن نظرة أكثر عمقاً للحدث الرياضي الكبير تشير إلى أن الدول المشاركة، تسعى إلى نقل رسالة محددة بما وصلت إليه من مكانة من خلال كبار لاعبيها المحترفين في دول العالم، حيث حديث الملايين بل والمليارات التي تصرف وتوجه على المسابقات الكروية خاصة في أوروبا. ومن ثم فإن الأهداف التي تعمل عليها الدول تتكامل مع ما يسعى إليه المشاركون ليس فقط اللاعبون، بل أيضاً الاتحادات الإقليمية وكبار شركات الإعلانات والدعاية وسماسرة الرياضة وشركات التأهيل والاحتراف، التي تبحث عن أفضل اللاعبين في هذا البطولة للتعاقد، وغيرها ما يدفع اللاعبين لتقديم أنفسهم، وربما تظهر مواهب غير معروفة في بعض المنتخبات المشاركة، ما يؤكد أن كل المقاربات حاضرة في المشهد الدولي من حيث التنظيم والإدارة والتخطيط.
فالعالم سيراقب عشرات اللاعبين من مختلف دول العالم، ومن دول غير حاضرة في المشهد السياسي العالمي، وربما ستعقد مقارنات حول ما سيتم من إنجازات حقيقية لبعض الدول الصغيرة، وإن أصبحت قوى رئيسية ومهمة في النظام الكروي العالمي، والذي من المتوقع أن يشهد تغييرات أيضاً بصعود قوى جديدة في المنظومة العالمية والإقليمية، وبما يؤكد أن الدول الصاعدة ستكافح من أجل الحفاظ على حضورها الدولي في مجال كرة القدم، وبما يمكن أن تنقله بأنها يمكن أن تنافس بالفعل دولاً كبرى، وأنها لن تتراجع عن مسارها تحت أي مسمي، وهو ما يؤكد أن تغييرات محتملة ستشمل بعض المنتخبات المشاركة على الرغم من وجود إجماع دولي على مهارة بعض المنتخبات.
وستظل الرياضة عموماً وكرة القدم خصوصاً إحدى وسائل التواصل التي يمكن أن تحقق التقارب بين الشعوب وتقلل التوترات بين دول العالم بعيداً عن الصراعات الدولية الراهنة.كأس العالم فعالية كبرى تتجاوز كونها رياضية، وإنما هي ترجمة للحضور المؤثر في كثير من المجالات التي تتعامل فيها دول العالم، وليس مطلوباً أن يكون الحضور للمشاركة هدفاً في حد ذاته، بل مدخلاً مهماً للحضور على الساحة العالمية، وبما يؤكد أن كرة القدم باتت من بين عناصر القوة الشاملة للدول.
*أكاديمي متخصص في الشؤون الاستراتيجية.
إقرأ المزيد


