جريدة الإتحاد - 6/23/2026 10:17:50 PM - GMT (+4 )
فقد النكتة وقعها الفكاهي إذا اصطحبها الشرح المطول المليء بالتبريرات والنقاشات، مثلها مثل الهاتف الذي تعيقه كثرة التطبيقات، وعلى سبيل التكنولوجيا، ليست جميع المستحدثات الهاتفية لازمة ولا كل التطبيقات مستخدمة.
نعم إنه في حوار الخبراء وفي النقاش والتعبير إعلاء لبيان الحق، هذا بعكس الملاحظ على لسان بعض المعلقين، فإننا صرنا أمام تواصل شحيح المعاني ولكن غني بالتبريرات، عن طريق العقلنة الزائدة، وهو ما يذكرنا ببطل فيلم «أوبنهايمر»، العالم العبقري الذي قدّم الحجج دفاعاً عن صناعة السلاح النووي، مدّعياً أن هذا الاختراع هو السبيل الوحيد لإنهاء الحرب. ثم، بعد الدمار الشامل في اليابان، حاول مجدداً تبرير موقفه، مشيراً إلى أنه شدد على التنبيه على المخاطر. هكذا اختزلت ادعاءات «أوبنهايمر» في سلسلة من الحجج العقلانية، خالية من الاعتراف الأخلاقي. إن هذا الأسلوب من الشرح المطول والعقلانية الزائدة يطبع الاجتياح الذي أصاب التواصل الحديث، مما يؤشر على تآكل الصراحة وانحلال خيط الصراحة والصدق، في النقاشات، ليتم التعويض على شكل حجج معقدة وشروح محسوبة بدلاً عن الصراحة.
وغالباً ما تتزعزع الثقة بالقصة المتفرعة والمعقدة بينما الحقيقة قول صادق ومختصر، و«للبحتري» أبيات في النسق ذاته:
«والشعر لمح تكفي إشارته
وليس بالهذر طولت خطبه».نجد الفكرة نفسها حول هذه الظاهرة في فلسفة «سيمون فاي وجوليا كريستيفا»، حيث يران أن الرأسمالية المتأخرة والاستهلاك الجاف جعلا التعامل بمنطق المصلحة والأرباح حتى في مجال العواطف، ففي المساحات العفوية كإفساح الدرب للذكريات، ساد التقيد، عبر تردد العبارة المعروفة «لنصنع الذكريات». لتفقد الذكريات محتواها العفوي.
تعتبر في حياتنا المعاصرة الحسابات المركبة عملة الماديات والأرقام، تماشياً مع النمط الحداثي المادي والرقمي، فباتت بعض الأفكار والمشاعر تتبع نفس القياس الحسابي، الآلي والمادي، ويتضح هذا للمتلقي في بعض القنوات الأجنبية والعربية في البيانات الصادرة أو اللقاءات؛ الذين كلما نوقشوا، قالوا: الأرقام تتكلم وهذا هو الواقع، والزمن غير زمننا. نوع النمط المذكور في التعاملات شرس ومحسوب مما قد يزيد من الحدية في التواصل، فبعض التحليل، تضليل.
إلا أن الأمر لا يكون كذلك في مواسم الأعياد الإسلامية، حيث يشاهد الناس بكل ترقب على قنواتنا المحلية لجان رؤية الهلال والتحري لأول أيام الشهر أو أيام العيد، هذا الترقب يبعدنا عن الجمود المادي ويعيدنا للمفهوم المتمثل في قبول الاحتمالات، رغم أن الأرقام مؤكدة ولا تكذب، فلا يجب أن تنحسر المساحات الروحية والثقافية الواسعة في هذه مجالات ذات المؤكدات الضيقة.
الإشكال هنا أننا انجرفنا خلف المادة والاستهلاك ضد الاحتمال، في هذا الصدد كتب المؤلف «عماد رشاد عثمان» عن الإفراط في الكمالية والتراتبية المنطقية، وكيف يؤدي إلى العجز التام والخوف أمام طبيعة المستقبل المتوقع أو غير المتوقع وأي شكل من الاحتمالية، ويؤكد أن عدم احتمال الاحتمال إنما هو نابع من التحكم بالعوامل والوقائع الملموسة، وربما نستطيع أن نرى الحكمة الإلهية التي تحمل في طياتها الاحتمال من التحري والانتظار في بلوغ إنسانيتنا قلباً وعقلاً، لذا دائماً ما يصور البث المباشر طابعاً حقيقياً كون أن الاحتمالات تكثر فيه والمشاهد يبقى مشدوداً بكل حواسه، متوقعاً لا شي وكل شي، فلا عجب أن يسمى المباشر بثاً حياً.
مؤخراً على مواقع التواصل وفي تبادل مباشر، نال رد عبد السلام هيكل، وزير الاتصالات وتقانة المعلومات السوري، تفاعلاً واسعاً، عندما خاطبه شاب شاكياً من شبكة الاتصال: «ناديت باسمك يا وزير فقل: الوو..» إلى آخر الكلمات: ثم رد الوزير «الوو عمر، شكواك يضرب بها المثل، حب وشوق برقي الشعر يكتمل». بسبب روح وشاعرية الخطاب تقلص الموضوع الأساسي جانباً. هنا يذكر «فرانسيسكو فيلاسباسا» علاقة العرب بالشعر: «عالج العرب ما خلا الشعر جميع ضروب الأدب كالملاحم والحب والفروسية.. وكانت تتخلل قصصهم موقعاً عظيماً في النفوس».
آمن فارس الدبلوماسية، سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الخارجية، بالوقع المحسوس للأدب؛ حينما اختار، في غمار الأحداث الأخيرة، بيتاً للشاعر النبطي «الماجدي بن ظاهر»:
(لي ما بنى بيت التقى قبل الشقا
وإلا على الشطات ما واحا لها).
للنشر على موقع «إكس».كم من عبارة منمقة تهاوت عن الأفهام وقضت على الإحساس! وكم من كلمة يسيرة لا مست الصميم!
كما وصف «الرافعي» المعاملة مع القلب، قائلاً: «في الحياة أشياء حقيقية تعظم النفس وتصغر الدنيا».
إذاً، روح التعامل والتواصل الفعال تكمن في التطابق الصادق بين اللسان والعقل والقلب.
*مؤسس أناسي للإعلام.
إقرأ المزيد


