جريدة الإتحاد - 6/27/2026 12:09:01 AM - GMT (+4 )
بين شوارع أثينا المُشمسة، تبرز أماكن شكّلت الحضارة الغربية مثل تلة بنكس حيث ولدت الديمقراطية، وأكاديمية أفلاطون حيث ازدهرت الفلسفة، وتل الأريوباغوس، حيث وصلت الرسالة المسيحية لأول مرة إلى مدينة متشككة. ومع ذلك، تبدو العديد من هذه الأماكن شبه خالية اليوم، فبينما كانت المعابد العظيمة تجذب الحشود، ظلّت المواقع التي شهدت تبلور بعض أروع أفكار الغرب صامتة، وقد غطتها النباتات وكأنها منسية.
ويثير ذلك المشهد التساؤل عما إذا كانت تلك الآثار المهملة تعكس شيئاً أعمق. فمعظم أنحاء العالم الغربي، لا يزال يتمتع بإرث حضارته بينما يغفل عن أصولها. ويأتي الاحتفال بالذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة في لحظة لم يعُد فيها هذا الإرث أمراً مفروغاً منه. إذ يؤكد إعلان الاستقلال، في شعاره الشهير، أن بعض الحقائق «بديهية». ولم يبذل جهداً في الدفاع عنها لأنه لم يكن هناك حاجة لذلك. ولم تكن المساواة والحرية والكرامة الإنسانية المتأصلة في كل فرد من ابتكارات أميركا في القرن الـ18، بل انبثقت من تراث عريق امتّد من أثينا والقدس مروراً بروما وبريطانيا، قبل أن يجد تعبيره السياسي في فيلادلفيا.
ولم يُنشأ الآباء المؤسسون لأميركا تلك الأفكار من العدم، لكنهم صاغوها بوضوح وثقة استثنائيين. فقد حوّل إعلان الاستقلال إرثاً حضارياً طويلاً إلى عقيدة سياسية واضحة. وعلى مدى القرنين والنصف الماضيين، لم تلهم لغته الأميركيين وحدهم، بل ألهمت أيضاً عدداً لا يُحصى من المصلحين والمعارضين حول العالم. فأولئك الذين قاوموا الأنظمة الشمولية وكذلك من ناضلوا من أجل الحقوق الديمقراطية، نظر كثير منهم إلى المبادئ التي قامت عليها الولايات المتحدة كدليل على أن الحرية والكرامة الإنسانية ليستا امتيازات تمنحها الحكومات، بل حقوقاً أصيلة لكل إنسان.ولهذا السبب فإن الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة الأميركية تكتسب أهمية تتجاوز حدودها بكثير. فبالنسبة للعديد من الدول، تُعد الذكرى السنوية فرصةً للتأمل في الماضي. أما بالنسبة للولايات المتحدة، فينبغي أن تكون تلك الذكرى فرصة للتطلع إلى المستقبل، إذ إنها تأتي في وقت تبدو فيه الثقة بالمؤسسات والتقاليد التي دعمت العالم الديمقراطي هشة بشكل متزايد. وما كان يُعتبر في السابق أرضية مشتركة أصبح اليوم موضع جدل متكرراً، كما تُعامل اليوم الأفكار التي اعتبرتها الأجيال السابقة أساسية كعقبات يجب تجاوزها، لا كإرث يجب فهمه.ويتجلى ذلك بوضوح خاص في المؤسسات المسؤولة عن نقل تلك الأفكار إلى الأجيال الجديدة. فغالباً ما يدرس الطلاب تاريخ الغرب من خلال التركيز على إخفاقاته ومظالمه، بدلاً من اعتباره مصدراً لكثير من المبادئ التي جعلت النقد الذاتي والإصلاح ممكنين. كما أن التراث الذي أفرز مفاهيم مثل الحكم التمثيلي والحرية الفردية يُعتبر في الأغلب ملكية خاصة لشعب معين، لا إرثاً للبشرية جمعاء.
ويجب على كل مجتمع أن يُواجه إخفاقاته بصدق، حيث يحوي تاريخ الغرب، كغيره من الحضارات، فصولاً تستحق النقد وإبداء الندم. لكن هناك فرقاً بين التقييم الذاتي الصادق وفقدان الثقة بالقيم التي أتاحت الإصلاح. فالمجتمع الذي لا يتذكر إلا إخفاقاته سينسى في نهاية المطاف أسباب إنجازاته.
وهذا التمييز مهم لأن المجتمعات الحرة لا تعتمد على القوانين والمؤسسات وحدها، بل تعتمد أيضاً على مواطنين يؤمنون بأن أسلوب حياتهم يستحق الاستمرار والحفاظ عليه. فلا يوجد دستور، مهما بلغت جودة صياغته، قادر على الصمود. كما لا يمكن لأي تقليد أن يدوم إلى الأبد ما لم يفهم الناس سبب وجوده ويختاروا استمراره.
ولم تسلم بريطانيا من أزمة الثقة هذه، فقد ساهمت هي الأخرى في صياغة العديد من الأفكار والمؤسسات التي يقوم عليها العالم الديمقراطي الحديث. ومع ذلك، يبدو البريطانيون غالباً غير واثقين من تاريخهم ومترددين في الدفاع عنه. لقد أصبحوا أكثر ارتياحاً لانتقاد إرثهم من شرح أسباب استمرار قيمته.
لكن النفوذ الهائل للولايات المتحدة يُلقي على عاتقها مسؤولية خاصة، تتجاوز حدودها بكثير. فعندما تتحدث أميركا بثقة عن الحكم الذاتي والكرامة الإنسانية، يلاحظ العالم ذلك. وعندما تفقد أميركا ثقتها في هذه المبادئ، يتردد صدى ذلك بعيداً عن واشنطن. ويولي الأصدقاء والخصوم على حد سواء اهتماماً بالغاً لما يؤمن به الأميركيون عن أنفسهم وعن المُثل التي تأسّست عليها أمتهم.
ويعيدنا ذلك إلى أثينا، حيث إن الأطلال الفارغة لمدرسة أرسطو ليست مجرد بقايا لماضي مجيد، بل إنها تذكير بأن الحضارات لا تستمر تلقائيا، وأن الأفكار التي تشكّل العالم لا تدوم إلا عندما يفهمها الناس ويعلمونها للآخرين ويختارون الحفاظ عليها. وغالباً ما يعتبر النسيان تهديداً أكبر من الهزيمة، فقبل وقت طويل من اختفاء الحضارات، يتوقف المرء عن تذكر سبب وجودها في المقام الأول.
إن المبادئ التي قامت عليها الولايات المتحدة ليست أميركية فحسب، بل تمثل جزءاً من الإرث المشترك للحضارة الغربية. ومع اقتراب البلاد من الذكرى الـ250 لتأسيسها، فإن السؤال ليس فقط كيف ستحتفل بتأسيسها، بل ما إذا كانت ستجدد ثقتها بالمبادئ التي منحت ذلك التأسيس معناه وأهميته.ولا يزال جزء كبير من العالم الحر ينظر إلى الولايات المتحدة بوصفها الحارس الأقوى لهذا الإرث. وفي تلك الذكرى، ربما تكون هذه هي أهم مسؤولية تقع على عاتقها.
*عضوة مجلس اللوردات البريطاني عن حزب «المحافظين»، وهي الرئيسة التنفيذية لتحالف المواطنة المسؤولة.
ينشر بترتييب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


