جريدة الإتحاد - 6/28/2026 12:17:04 AM - GMT (+4 )
عندما أعلن الرئيس دونالد ترامب، في أبريل الماضي، عن تشكيل فريق عمل لاستئصال الاحتيال والفساد من برامج الضمان الاجتماعي، تعهد باسترداد ما يكفي من التمويل الفيدرالي «المسروق» من الولايات التي يقودها الحزب الديمقراطي «لضمان موازنة الميزانية الأميركية».لكن بعد مرور ثلاثة أشهر تقريباً، لا يزال من غير الواضح حجم الأموال التي استردها فريقُ العمل بقيادة نائب الرئيس جيه دي فانس من تحقيقاته المتزايدة، والتي يقول عنها ترامب إنها «مليارات ومليارات».
لكن ما لفت الأنظار هو التكلفة البشرية لإجراءات فريق العمل، والذي أثار تساؤلاتٍ حول حجم الأضرار التي قد يقبلها الأميركيون، وعدد الضحايا غير المقصودين في سياق العملية. ولعل لوس أنجلوس تقدم أوضحَ مثال على ذلك. فلا يزال «الديمقراطيون» الذين يديرون المدينةَ والمقاطعةَ يحاولون استيعابَ قرار صدر مؤخراً يقضي بتعليق التمويل الفيدرالي فوراً عن إحدى أبرز وكالات خدمات المشردين، لحين الانتهاء من التحقيق الجاري.
ويعتبر ذلك أمراً بالغ الأهمية، إذ تضم لوس أنجلوس أحد أكبر تجمعات المشردين في الولايات المتحدة، بما يصل 72 ألف شخص على مستوى المقاطعة. وفي رسالة موجهة إلى هيئة خدمات المشردين في لوس أنجلوس، أشارت وزارة الإسكان والتنمية الحضرية إلى «سوء إدارة فادح للأموال العامة». وأوضح وزير الإسكان والتنمية الحضرية، سكوت تيرنر، أن «دافعي الضرائب لن يُمولوا بعد الآن منظمةً تُفضل مصالحَها الذاتيةَ على مصالح الأميركيين الذين أُنشئت لخدمتهم».
ما لم تذكره الرسالة ولا البيان هو أن نحو 11 ألف شخص باتوا مُعرَّضين لخطر العودة إلى مخيمات الشوارع، بعد طردهم من مساكن ممولة فيدرالياً تُوفر خدمات الصحة النفسية وعلاج الإدمان، وضِمنهم 2200 طفل و1600 مسن، و100 من قدامى المحاربين. وباختيار الوقف الكامل للتمويل بدلاً من التعاون مع مدينة لوس أنجلوس لمنع عودة هؤلاء الأشخاص إلى التشرد أثناء التحقيق، يُرجح أن تُلحق إدارةُ ترامب الضررَ بالأميركيين أنفسهم الذين يقول سكوت تيرنر، إن وزارة الإسكان وفريق العمل يسعيان لمساعدتهم. وكما قالت رئيسة بلدية لوس أنجلوس كارين باس، فإن «التهديد بقطع التمويل الفيدرالي لا يوفر مسكناً للأشخاص».
غير أن التهديد بقطع التمويل الفيدرالي يمنح كارين باس و«الديمقراطيين» فرصةً لاستغلال قضية كان يمكن أن تحقق انتصاراً سياسياً سهلاً لإدارة ترامب لدى الناخبين. وتُظهر استطلاعات الرأي المتتالية اعتقادَ الأميركيين بأن الفساد والاحتيال منتشران، وهو أمر مفهوم نظراً لكثرة حالاته. ويشمل ذلك عملية فيدرالية أُعلن عنها منذ أيام، وأسفرت عن توجيه اتهامات لمئات الأشخاص في عشرات الولايات بتهمة الاحتيال في مجال الرعاية الصحية.
ويؤكد الأميركيون أيضاً أنهم يريدون مؤسسات أكثر شفافية وأوسع خضوعاً للمساءلة. كما أظهرت نتائج حديثة صادرة عن مركز برينان الأميركي غير الحزبي للسياسات والقانون أن «الديمقراطيين» و«الجمهوريين» والمستقلين جميعاً يشعرون بقلق بالغ إزاء إهدار أموال دافعي الضرائب.أما على الصعيد السياسي، فيصعب على الديمقراطيين انتقاد هدف إدارة ترامب المعلن متمثلا في القضاء على الاحتيال والفساد، رغم أن الرئيس صرح بوضوح حول الدوافع الحزبية لعمل فريق التحقيق، إلا أن الأميركيين عموماً يؤيدون السعيَ لجعل الحكومة أكثر جدارة بالثقة.
لذا، يعتبر انتقاد إدارة ترامب معضلةً إضافيةً للديمقراطيين في لوس أنجلوس، بسبب وجود مشاكل حقيقية لدى هيئة خدمات الصحة في المقاطعة، حيث تفشى سوء الإدارة لسنوات، مما استدعى إجراء العديد من التحقيقات واتخاذ إجراءات عقابية.
لكن، هل يجب أن يأتي الإصلاح عبر تحويل الأميركيين إلى ضحايا جانبيين؟ في الأسبوع الماضي، هددت إدارة ترامب بحجب تمويل إعانات البطالة عن الولايات الـ50 ما لم يتعاون حكامُها مع إجراءات التحقق من الهوية وتوجيهات فريق مكافحة الاحتيال. وقالت وزارة العمل، إن الولايات الرافضة للتعاون قد تتعرض لإغلاق أنظمة إعانات البطالة بسبب فقدان التمويل الإداري الفيدرالي، ما قد يضر بنحو مليوني مستفيد وأكثر من 200 ألف متقدم جديد أسبوعياً.
كما ذكرت صحيفة «واشنطن بوست» أن مراكز خدمات الرعاية الطبية والرعاية الصحية علّقت التمويلَ عن 43 جهة تقدم خدمات رعاية المحتضرين خلال حملتها لكشف الاحتيال في البرامج الممولة، وقد أغلقت بعض هذه الجهات أبوابها إثر ذلك. ويبدو أن إدارة ترامب لم تستفد من تجربة وزارة كفاءة الحكومة، فرغم أن هدفها المعلن، وهو محاربة «الاحتيال والهدر وسوء استخدام الأموال»، حظي في البداية بتأييد الناخبين، فإن أسلوب إيلون ماسك أفقدها هذا التأييد.
ومع بدء عملية إنهاء أعمال وزارة كفاءة الحكومة، تراجعت نسبة التأييد لها حتى بين أكثر مؤيدي ترامب ولاءً، من 66% في أبريل إلى 49% في يونيو، وفقاً لاستطلاع حديث.وخلال اجتماع في البيت الأبيض، في مايو الماضي، قال جيه دي فانس، إن فريقه، الذي خلف وزارة كفاءة الحكومة، يحمي أموالَ دافعي الضرائب من المحتالين، ويحمي في الوقت نفسه المستفيدين من هذه الخدمات. لكن حماية أموال دافعي الضرائب يجب ألا تكون على حساب الأشخاص الذين تعتمد حياتهم على هذه الخدمات.
*كاتبة أميركية.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


