جريدة الإتحاد - 6/28/2026 10:48:17 PM - GMT (+4 )
لم يَعُد ثمّة معنى للحديث عن مظاهر التجديد في فكر معالي العلامة الشيخ عبدالله بن بيّه، رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، رئيس منتدى أبوظبي للسِّلم، الذي عمل منذ عقود على تقديم رؤية جديدة لمطلب الإصلاح والاجتهاد من داخل الشريعة الإسلامية وعبر قراءات ثاقبة للمدونة الأصولية، طارحاً - وهو الخبير الضليع في العلوم الشرعية - مسلكَ مواءمة النص والواقع دون خروج عن ثوابت المنهج التأويلي التراثي.ومن الموضوعات التي منحها أهميةً قصوى ما عرفته المجتمعاتُ المسلمةُ في السنوات الماضية من صعود ظواهر الغلو والتطرف والعنف، وما عرفته علاقاتُ المسلمين مع غيرهم من مصاعب وتشوهات ناتجة عن نشاط وعمل الجماعات الراديكالية المتشددة.
وفي هذا السياق، بلور الشيخ بن بيّه فلسفةً متكاملة للسِّلم تقوم على مرتكزات ثلاث هي:
- تأصيل السِّلم مقصداً أساسياً من مقاصد الشرع الذي يدور كلُّه حول «تحقيق المصالح ودفع المفاسد»، ومن ثم ندرك كيف طوّر الإمامُ الطاهر بن عاشور نظريةَ المقاصد الشاطبية بدمج المصالح العامة والعمران الإنساني والسماحة في كليات الدين. وفي هذا الاتجاه تندرج مقاربةُ العلامة بن بيّه لتأصيل قيمة السِّلم في جوانبه العقدية والفقهية والأخلاقية ضمن منظور قيمي شامل.
- إعادة بناء مفهوم الحوار الديني على أساس المشتركات الإنسانية والتوافقات القيمية، في ما وراء حقيقة الاختلاف في المعتقد والملة، فمن البديهي أن الحوار الحقيقي لا يتم إلا بين معتقدات متمايزة، ولا أحد يتخلى عن دينه وإيمانه ليذوب في غيره. وفي هذا السياق أعاد الشيخ بن بيّه الاعتبارَ لحلف الفضول الذي قام قبل الإسلام وأقره النبي صلى الله عليه وسلم، باعتباره يقوم على رد الحقوق ونصرة المظلوم والتعاون على البر، وهي قيم إسلامية خالصة وثابتة. وقد اعتبر الشيخ بن بيّه أن حلف الفضول هو حلف فضائل تبيّن سماحة الإسلام وتسامحه، ومن ثم ضرورة إحيائه وتجديده.
- التشديد على السِّلم الأهلي مطلباً داخلياً ضرورياً للمجتمعات المسلمة، بما يتحقق في مبدأ المواطنة والولاء للدولة الوطنية، والتمسك بشرعيتها. ومن الجلي أن التصور السني للإمامة يقوم على طاعة ولي الأمر ومنع الخروج عليه واتقاء الفتنة والهرج، وذلك ما يعني في المصطلحات المعاصرة التقيدَ بسيادة الدولة واتباع قوانينها ونظمها، على عكس ما تدعو إليه الحركات الاحتجاجية الفوضوية والجماعات المؤدلجَة.
ومما لا بدّ من الإقرار به هو أن جهود الشيخ بن بيّه، من خلال منتدى أبوظبي للسِّلم الذي يحظى برعاية كريمة من دولة الإمارات العربية المتحدة، حققت الكثيرَ من المكاسب الإيجابية للإسلام والمسلمين، وقد سمعنا أصواتاً كثيرة من غير المسلمين تصرّح علناً بأن الكثير من الشُّبه والصور المغلوطة عن الإسلام تبدّدت لديها من خلال أنشطة وبرامج المنتدى.
وفي كتابه الصادر العام الماضي بعنوان «فن السلم»، يبين المفكر السياسي الفرنسي برتراند بادي أن المفاهيم القانونية والدبلوماسية السائدة حول السلم لم تَعُد اليوم قادرة على ضبط اعتبارات ومقتضيات السلم العالمي، في مرحلة تتزايد فيها موجة العنف والإرهاب والحروب الأهلية. وفي هذا السياق، دعا إلى التخلي عن تفسير السِّلم بكونه الخلو من حالة الحرب، معتبراً أن بناء السِّلم دولياً يتطلب استراتيجيةً فكرية وإنسانية واجتماعية متكاملة ومعقّدة، من أهم أسسها إقرار قيم الاختلاف والغيرية ووضع معايير منصفة وعادلة في العلاقات الدولية ومواجهة الاختلالات الاجتماعية ومظاهر الغبن والاستغلال والسعي لتوطيد منطق التعاون والتعددية الجيوسياسية. وهذه هي الأهداف التي يسعى إليها بالفعل منتدى أبوظبي للسلم برئاسة العلامة الشيخ عبد الله بن بيّه، من خلال آليات ثلاث مترابطة هي: العمل الديبلوماسي والمبادرات الدولية، والتأصيل الفكري والعلمي، والتثقيف الاجتماعي والنشاط التعبوي. ولقد اختار المنتدى أفريقيا ساحةَ تطبيق لهذه الاستراتيجية الطموحة، بالنظر إلى ما تشهده القارة من حروب وصراعات أهلية واضطراب سياسي واجتماعي.
وكثيراً ما يقول العلامة بن بيّه إن دور الفقيه هو دور مطفئ الحرائق الذي يهمه قبل كل شيء إنقاذ الناس وبناء الأمل وقول الكلمة الطيبة والتبشير بالخير، فليس من دوره منازعة الساسة في شؤون الحكم التي اعتبَرها علماءُ الشريعة من «الأمور السلطانية» التي يؤخذ فيها بتقدير الحاكم المسؤول عن أمانة المصالح العمومية.
وفي هذا الباب، تَظهر حكمة التسيير العمومي للحقل الديني، باعتبار أن الدولة مسؤولة عن حراسة الدين وإقامته، وهو ما لا يتحقق إلا بتجنيبه من الاستغلال الأيديولوجي والسياسي وحفظ قداسته من حيث هو مقوم الهوية المشتركة للمجتمع كله.
إقرأ المزيد


