جريدة الإتحاد - 6/28/2026 11:37:43 PM - GMT (+4 )
يُعد انخفاض عدد الطلاب الجامعيين المسجّلين في جامعة سيراكيوز أحدث مؤشّر على أن الضغوط الديموغرافية المتوقعة منذ فترة طويلة تُؤثّر سلباً على المؤسسات الكبرى والشهيرة أيضاً. وقد عزت جامعة سيراكيوز هذا النقص إلى انخفاض أعداد خريجي المدارس الثانوية والطلاب الدوليين، وهي تحديات تواجه الجامعات في جميع أنحاء الولايات المتحدة. وكان ينبغي عليها أن تُضيف مشكلةً أخرى، وهي التدفق المستمر للعائلات الشابّة والطلاب الذين يغادرون شمال شرق البلاد بحثاً عن معيشة أقل تكلفة.
وتُعتبر المشكلة الأخيرة هي سبب صعوبة إيجاد حلول للتحديات التي تواجه مؤسسات التعليم العالي في شمال شرق البلاد، وكذلك في الغرب الأوسط والساحل الغربي. ومن المتوقع حدوث انخفاض كبير في عدد خريجي المدارس الثانوية في ولايات مثل نيويورك وإلينوي وكاليفورنيا خلال العِقد القادم، بينما ستشهد ولايات في الجنوب مثل تكساس وفلوريدا نمواً. ويعود جزءٌ من ذلك إلى استمرار هجرة العائلات بين الولايات من الشمال إلى الجنوب للعائلات التي تُعاني من ضغوط تكاليف المعيشة.
وينبغي على الحكومات المحلية إيلاءَ اهتمامٍ خاص لأنواع المدارس التي تواجه صعوبات في التسجيل والتمويل، لأن ما تواجهه يُعتبر بمثابة إنذار بضغوط اقتصادية أوسع نطاقاً ستواجهها مع بداية العِقد الجديد.
ومن الواضح أن الجامعات لا تواجه جميعُها الوضعَ نفسَه. فتراجع أعداد خريجي المدارس الثانوية لا يكاد يؤثّر في الجامعات الخاصة المرموقة، مثل جامعة هارفارد وجامعة برينستون، ولا في الجامعات الحكومية المرموقة، مثل جامعة ميشيغان وجامعة إلينوي في أوربانا-شامبين. فهذه المؤسسات تتمتع بطلب يفوق بكثير عدد المقاعد المتاحة، كما أن معدّلات القبول فيها منخفضة، ما يمنحها هامشاً مريحاً.
لكن الطالب الذي يُقبل في هارفارد، بشكل غير متوقع، سيتخلى غالباً عن عرض جامعة أخرى مثل تافتس، التي ستلجأ بدورها إلى قائمة الانتظار لقبول طالب كان سيلتحق بجامعة مثل سيراكيوز. ولأن الجامعات لا ترغب في إلغاء البرامج الدراسية أو تسريح الموظفين، فمن المرجّح أن ينتهي بها الأمر إلى منافسة أشدّ على استقطاب خريجي المدارس الثانوية.
وفي مرحلة ما من التسلسل الهرمي، سيقع عبء الخسارة على عاتق جهة ما، لعدم كفاية عدد الطلاب ودافعي الرسوم الدراسية. ولم يَعُد بالإمكان الاعتماد على الطلاب الدوليين، الذين كانوا يُعتبرون حلاً مؤقتاً، نظراً للصعوبات الجديدة المتعلقة بالدراسة، والأهم، تأشيرات العمل والدراسة.
وينطبق الأمر نفسه على المدن والبلدات، حيث سيؤدي التراجع المتوقع في أعداد خريجي المدارس الثانوية خلال العِقد المقبل وما بعده إلى انخفاض أعداد الشباب المؤهلين في العشرينيات من العمر لدخول سوق العمل. وتشير التوقعات إلى أن عدد خريجي المدارس الثانوية بلغ ذروتَه في عامي 2025 و2026، أي بعد نحو 18 عاماً من تراجع معدلات المواليد في أعقاب الأزمة المالية لعام 2008. لذا من المنطقي أن يبلغ عددُ مَن هم في سن 21 ذروتَه بحلول عام 2030.
لذا، ينبغي أن يصبح اختيار هؤلاء الشباب لمكان دراستهم وعملهم أمراً بالغ الأهمية. إذ تُفضِّل الشركاتُ التواجدَ حيث يتركز الشباب الموهوبون، كما تُعد الوظائف والاستهلاك المحرّك الرئيسي للقواعد الضريبية المحلية التي تدعم الخدمات العامة. وتُشبه مدن مثل نيويورك وبوسطن الجامعات المرموقة التي تضمها، فهي وجهات جذابة للشباب، حيث تعكس أسعارُ الإيجارات والمنازل طلباً يفوق العرضَ بكثير.
لكن السؤال الحقيقي يتعلق بما سيؤول إليه حالُ الجامعات والمناطق الحضرية التي اعتمدت في جذب السكان على مزيج من القُرب الجغرافي من المدن الكبرى وانخفاض تكاليف المعيشة، مثل سيراكيوز في ولاية نيويورك وبيتسبرغ في ولاية بنسلفانيا.
لقد أعادت مقاطعة أليغيني، حيث تقع بيتسبرغ، بناءَ ماضيها الصناعي، ساعيةً إلى أن تصبح مركزاً للتعليم والرعاية الصحية، مع إيلاء الأولوية للتعليم العالي والرعاية الصحية. وتضم بيتسبرغ الآن نحو 145 ألف طالب مسجّلين في التعليم العالي، مما يُساهم في استقرار اقتصاد المقاطعة، وإنْ لم ينجح في وقف تراجع عدد سكانها. لكن مع انخفاض أعداد خريجي المدارس الثانوية في شمال شرق ووسط غرب البلاد بشكل غير محدد، لم يَعُد الاعتماد على استقطابهم خياراً مستداماً كما كان عليه الحال عندما كان الالتحاق بالتعليم العالي في ازدياد.
ويمكن للمدن الساعية إلى حماية نفسها من هذه التحديات الديموغرافية أن تستلهم من مدن مثل أوستن وناشفيل. فكلتاهما توفّران أنماطَ حياة جذابة لطلاب الجامعات والشباب العزاب والعائلات على حدٍّ سواء، وقد أصبحتا وجهتين مرغوبتين عندما انتقل السكانُ من السواحل خلال طفرة الهجرة التي أعقبت جائحة كوفيد-19. كما أنهما استعادتا الآن الأسعارَ المعقولةَ بوتيرة أسرع من السواحل، حيث يؤثّر استمرارُ بناء المساكن على الأسعار.
وتُعدّ القدرة على تحمُّل تكاليف المعيشة عنصراً أساسياً في أي حل، لكنها ليست العاملَ الوحيدَ المهم، وإلا لما شهدت المناطقُ الريفية والمناطق الصناعية السابقة في البلاد هذا الركودَ الديموغرافي الكبيرَ على مدى العقود الماضية.
كما أن جعل المدن أكثر جاذبيةً للشباب يمثْل جزءاً آخر من الحل. فقد أصبحت أوستن وناشفيل مقصداً جذاباً للشباب على مستوى البلاد، ليس لأن تكاليف المعيشة فيهما أقل من نيويورك ونيوجيرسي وكونيتيكت فحسب، بل أيضاً لما تتمتعان به من حياة ليلية نابضة وخيارات ترفيهية متنوعة.
وفي الوقت نفسه، فقد نجحت جامعاتٌ جنوبيةٌ، مثل جامعة أوبورن وجامعة ألاباما، في استقطاب أعداد كبيرة من الطلاب من خارج الولاية، عبر الاستثمار في مساكن طلابية فاخرة وبرامج رياضية متميزة. وقد يتحول التركيزُ على توفير مزايا إضافية للشباب إلى سباق محموم بين الجامعات، لكن المنافسةَ على الاحتفاظ بالشباب واستقطابهم ستزداد حدّةً خلال السنوات المقبلة، فيما ستتخلّف عن الرَّكب المناطق التي لا تبذل جهداً في هذا المضمار.
*كاتب متخصّص في إدارة الاستثمارات وتحليل الأسواق المالية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


