جريدة الإتحاد - 6/28/2026 11:37:56 PM - GMT (+4 )
في الحادي والعشرين من يونيو الجاري، احتفل العالم بيوم الأب، وشاركت دولة الإمارات هذا الاحتفاء باستحضار ذاكرة المجد وتاريخ الخلود للقادة الآباء المؤسِّسين الأوائل. ففي الإمارات لا تتجه دلالة هذا اليوم إلى محيط الأسرة الصغيرة أو العلاقة العاطفية بين الأبناء والآباء المباشرين فقط، بل تذهب أيضاً لتلامس معنى أكثر عمقاً وارتباطاً بدور الآباء في البنّاء والرعاية وصناعة الاستقرار. فالأبوّة في جوهرها الحقيقي، ليست مجرد علاقة أسرية، بل نموذج للمسؤولية الممتدة التي تصنع ازدهارَ الحاضر ورفاهَ المستقبل.
وفي السياق الوطني الإماراتي، يأخذ هذا المعنى بُعداً أكثر ثراءً، إذ يتداخل فيه البُعد الأسري مع البُعد الوطني، ويتحول فيه مفهوم الأبوة إلى قيمة أخلاقية ارتبطت بالمسار التاريخي لتأسيس الدولة وبنائها الحضاري والإنساني والسياسي، وهي قيمة لا يمكن فصلها عن ذاكرة التأسيس، ولا عن أولئك الذين حملوا عبءَ بناء الدولة، ومواجهة التحديات لبناء هذا الكيان الراسخ. ويبرز في مقدمة هؤلاء القادة الكبار، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، الذي مثّل نموذجاً لتجسيد معنى القيادة بوصفها مسؤولية إنسانية، حيث ارتبط اسمُه بتأسيس دولة تنظر إلى الإنسان باعتباره محور التنمية وغايتها الأولى. وإلى جانبه، جاء إخوانه حكام الإمارات الذين شاركوا سموّه لحظة التأسيس التاريخية، وساهموا في ترسيخ ملامح الدولة الحديثة، وبناء نموذج تنموي قائم على الرؤية والاستثمار في المستقبل، ليعيش شعب الإمارات المستقبل الذي تمنّاه القادة الآباء لأبنائهم.عند استحضار لحظة التأسيس وما صنعته من امتدادات تاريخية، نجد أن الآباء المؤسِّسين قدّموا نموذجاً حضارياً وإنسانياً لمعنى «الأبوّة السياسية»، التي تتجلّى في قيادة تسعى لتحقيق الحماية والرعاية والتوجيه، وتعمل من أجل بناء المستقبل لا إدارة الحاضر فقط. ولذا، فإن استحضارهم في السياق التاريخي ليوم الأب لا يأتي استجابةً للجانب العاطفي فقط، بل أيضاً ضمن إعادة استحضار الذاكرة التاريخية لدورهم كآباء مؤسِّسين حملوا مسؤوليةَ بناء وطن قوي وآمن، وصناعة أجيال قادرة على حمل المسؤولية كاملة.
ومن هنا يصبح «يوم الأب» مناسبة تتجاوز حدود الاحتفاء الفردي، لتتحول إلى مناسبة مجتمعية للاحتفاء بالتاريخ الإنساني والسياسي للدولة، فبحسب القيم التي غرسها الآباء المؤسِّسون في جيل الأبناء، فإن الدولة لا تُبنى فقط بالمؤسسات والتشريعات، بل أيضاً بالقيم التي تُزرع في الوعي الجمعي، والمبادئ التي تحرسها. وسواء على مستوى الأسرة أو الدولة، فالأب هو من يبني حاضراً يمتد أثرُه، ويترك إرثاً يتجاوز وجوده، ويؤسِّس لمسار يستمر بعده، ويمنح من يأتي بعده القدرة على التطور والاستمرار والعيش الكريم.
وفي الحالة الإماراتية، يبدو هذا المعنى حاضراً بقوة في التجربة التأسيسية للدولة، وهي التجربة التي مزجت بين الرؤية السياسية والبُعد الإنساني، وهذا ما يجعل من استذكار الآباء المؤسِّسين في السياق الحالي فعلاً يربط التاريخ بالحاضر، ويصل الحاضر بالمستقبل، ليعيد تعريفَ «الأبوّة» خارج سياقها التقليدي، ولتصبح مفهوماً حضارياً يرتبط بمرحلة البناء والتأسيس، ويتعزز بالاستدامة وصناعة المستقبل، سواء في نطاقه الضيق (أي الأسرة والمجتمع)، أو في إطاره الواسع متمثلاً في الدولة وتجربة تأسيسها العظيم. وفي هذا السياق لا يصبح «يوم الأب» مجرد مناسبة رمزية، بل يغدو فرصة لإعادة التأمل في أصل البناء الذي أسَّس لما نعيشه اليوم من تنمية وازدهار وتقدم، ولاستحضار ما صنعه القادةُ ليس لتأسيس دولة فقط، بل أيضاً لمستقبل وطني مشرق تتجلى فيه أسمى معاني الأبوّة وبأوسع صورها وتجلياتها الأخلاقية والحضارية.
*كاتبة إماراتية
إقرأ المزيد


