جريدة الإتحاد - 6/30/2026 12:33:16 AM - GMT (+4 )
يعد الذكاء الاصطناعي أحد أبرز وأهم اختراعات الإنسان منذ الثورة الصناعية الأولى في منتصف القرن الثامن عشر وصولاً إلى الثورة الصناعية الرابعة في مطلع القرن الحادي والعشرين. ومن المتوقع أن يصبح الذكاء الاصطناعي، مع مرور الوقت، ركناً أساسياً في حياة غالبية البشر، وذلك بسبب القدرة الفائقة لمحركات الذكاء الاصطناعي على جمع وتحليل وتلخيص ليس فقط كل ما هو موجود على شبكة الإنترنت، بل أيضاً كثير مما قام الإنسان بكتابته ونشره منذ القدم، وذلك في ثوانٍ معدودة، ثم تقديم خلاصة ذلك إلى المستخدم للمساعدة في اتخاذ القرار. وهنا تقع على عاتق المستخدم مهمة استخدام تلك الخلاصة إما للصالح العام أو لإحداث ضرر مجتمعي يصعب تخيل نتائجه. وانطلاقاً من ذلك، فقد برز الجدلُ مؤخراً حول قدرة الإنسان على وضع قيود وتشريعات لحوكمة استخدام الذكاء الاصطناعي، في ظل تنامي هيمنة برامجه ومحركاته وتقنياته على مختلف مناحي الحياة.
وعلى سبيل المثال، فلا ريب في أن استخدام الذكاء الاصطناعي في قطاعات الصناعة والتجارة والتعليم والطب والصيدلة، وغيرها الكثير، له منافع جمة تساعدنا على إنجاز مهام جسيمة في دقائق معدودة، بعد أن كان ذلك يستغرق أسابيعَ وشهوراً. لكن في المقابل، هناك مخاطر غير ملموسة من الصعوبة حالياً توقع نتائجها أو حتى احتوائها في حال افتقرت بيئة الذكاء الاصطناعي إلى البنية المؤسسية والتشريعات الرقابية وحوكمة البيانات، الأمر الذي قد يؤدي إلى تحديات تقنية وإدارية يصعب توقعها. ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك «وكلاء الذكاء الاصطناعي». والمقصود هنا هو الأنظمة التي لا تكتفي بتوليد النصوص، بل تمتلك القدرة على التخطيط، واستدعاء واجهات البرمجة، واتخاذ القرارات، وتنفيذ الإجراءات بشكل مستقل.
وللتوضيح، فإنه في حال النماذج التولية اللغوية، مثل ChatGPT، فقد تؤدي جودة البيانات السيئة إلى مجرد «معلومات خاطئة» على الشاشة. أما في وكلاء الذكاء الاصطناعي، فإن فوضى البيانات وفسادها تتحول إلى أفعال تنفيذية مدمرة؛ لأن وكيل الذكاء الاصطناعي يمتلك صلاحية التعديل والتنفيذ في الأنظمة. ومثال ذلك أن الوكيل قد يتغذى على بيانات قديمة أو متناقضة من خلال برنامج الذكاء الاصطناعي نفسها. وبناءً على قاعدة «المخرجات مبنية على المدخلات»، فإن الوكيل سيقوم باتخاذ قرارات مبنية على المخرجات الخاطئة. وبالتالي قد يقوم بإرسال عقود بأسعار خاطئة للعملاء، أو مسح سجلات هامة، أو الموافقة على طلبات غير مستحقة. والأخطر من ذلك هو حدوث «تلوث البيانات»، حيث يقوم الوكيل بضخ استنتاجاته الخاطئة كبيانات جديدة في الأنظمة، مما يجعل معالجةَ قواعد البيانات وتنظيفها لاحقاً شبه مستحيل.
والمثال الآخر هو حدوث انهيار متسلسل للأنظمة التقنية نتيجة غياب البنية المؤسسية السليمة وعدم وجود خريطة واضحة تحدد وتوضح ترابط الأنظمة والإدارات ببعضها البعض. وهنا قد يتصرف الوكيل كـ«كيان أعمى»؛ فيقوم بتعديل بيانات في نظام معين (مثل إدارة المبيعات) مسبباً انهياراً غير متوقع في نظام آخر متصل به (مثل النظام المالي أو نظام المخازن) دون إدراك للعواقب.
وفي المحصلة، فإن إيجابيات الذكاء الاصطناعي ومزايا برامجه ومحركاته ووكلائه، لا حصر لها، وهي تعود بالمنافع الكبرى على بني البشر، ولكن في الوقت نفسه يجب ألا نغفل المخاطر المترتبة على ذلك وضرورة استباقها، أو على الأقل مواكبتها، عبر التوسع في تبني التقنيات اللازمة واعتماد التشريعات الرقابية الضرورية والحوكمة السليمة.
*باحث إماراتي
إقرأ المزيد


