تأويل الدين وضياع الأجيال
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

الدين جزءٌ أصيلٌ من حياة الشعوب كلّها قديمها وحديثها، ولا يخلو شعبٌ من دين يتمسك به ويرجع إليه، والشعوب الإسلامية لا تخرج عن هذه السنة الكونية المرتبطة بالفطرة التي فطر الله الخلق عليها.
من الجدير بالذكر أن المسلمين لم يختلفوا في التنزيل، أي النص المنزل وهو القرآن الكريم، وكذلك إلى حدٍّ كبير في السُنة النبوية، ولكن العابثين في القديم والحديث أخرجوا التنزيل عن غايته ومقصده في إصلاح الإنسان والمجتمع، بتأويل هذا التنزيل حسب أهوائهم ومقاصدهم ومصالحهم، والناس لا يشكون في التنزيل، ولهذا لجؤوا إلى التأويل.
 وقد وضع علماء الإسلام منذ القديم ضوابط للتأويل الصحيح الذي يُقبل، وللتأويل غير الصحيح الذي يُرد ويُرفض، وقد لجأت في عصرنا الحاضر جماعاتٌ وأحزابٌ، تحمل أسماء إسلامية إلى التأويل، الذي يتفق مع مصالحهم للتلبيس على الناس، وإخراجهم من سلامة الفطرة إلى الجنوح والانحراف، الذي ألقى بعض المسلمين في مهاوي الضياع، وقد وصل التأويل الخاص بهم إلى مراحل أصبح فيها مقدماً على النص والتنزيل، وكان ذلك نتيجة مراحل وتطورات داخل هذه الحزبيات والجماعات، وكانت أخطر مرحلة فيها: الغموض وعدم الوضوح في العقائد التي يلتزمونها أو ينطلقون منها، وعقائد المسلمين منذ مئات السنين قد أصبحت معروفة واضحة مدونة، تُدرّس في حلقات الدرس من الكتاتيب التي يلتحق بها الأطفال إلى أعلى درجات الدرس العلمي، وبين العامة والخاصة، ولكن طوائف عصرنا وحزبيات دهرنا هذا تعمّدوا الغموض في ذلك على أتباعهم وعلى المسلمين جميعاً حتى لا يحاكموا إليها أو يحاسبوا على أساسها، فلا تعرف على أي مذهب هم ولا أية نحلة ينتحلون. 
وقد تجد في هذه الأحزاب والجماعات خليطاً من العقائد والأفكار الغريبة التي اقتبسوها من هنا وهناك، فهي عندهم سائغة مقبولة طالما أن الولاء لهم والمقاصد تجمعهم والغايات تربط بينهم.
 ولكن هذا الغموض الذي يشبه الباطنية في بعض الجوانب- ولعلماء الإسلام من الباطنية موقف واضح- بلّبل أفكار بعض الأجيال، وجعل عقائدهم باهتة أو غامضة وقابلة لكل لون وصنف يجدُّ ويظهر في الحياة فيتماهون معه، ولا يعرفون حقه من باطله، وهذا قد أضعف الدين الحق في قلوبهم وجعل بعض الناس يرونه من خلال تأويلاتهم ومصالحهم، لقد أصبح عندهم الولاء للجماعة فوق كل شيء والوصول إلى الحكم وإقامة دولة هو القصد الذي يسعون إليه.
وغير خافٍ على أهل العلم أن قيام دولة خارجٌ عن إطار الاعتقاد كما بيَّن ذلك العلماء الذين كتبوا في العقائد منذ مئات السنين، وتبعهم الناس على ذلك، وحذروا من الانزلاق إلى التعصب لذلك، وتعدي الحق فيه، وأن مسألة الدولة وما يتعلق بها هي من الاجتهادات التي يجتهد فيها الناس بحسب عصورهم وأوطانهم.
ومن هذا فقد جعلوا الطائفة أو الحزب أو الجماعة المرجع في فهم الدين، وهذا لم يكن في تاريخ المسلمين إلا في هذا العصر الذي وجدوا فيه.. فقد أصبحت معرفة الدين في حياة الناس الذين تأثروا بهم سطحية بسيطة، وتسلَّط عليها عدد غير قليل ممن لم يفلحوا في تخصصاتهم، فوجدوا الدين أقرب طريق إلى الزعامة ودعوى الإمامة، وتخبط الناس من أقوالهم وشذوذاتهم وسببوا صراعاتٍ قد تكون أحياناً دامية، ولا أقل من أنها إذا انتشرت تشعل نار الحقد بين المسلمين، وتشغلهم ببعضهم وبقيل وقال، وهذا يمزق المسلمين ويشتت جمعهم، أو كما قال الله تعالى: ﴿‌مِنَ ‌ٱلَّذِينَ ‌فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ﴾ [الروم: 32]. 
إنَّ الغموض في عقائدهم والمكيافيلية في سلوكهم قد جعلهم يتلونون بألوان شتى، بل إنهم ينقسمون أحياناً في وقت واحد إلى ألوان متعددة بحسب منافعهم وأهدافهم ويؤدون أدوراً مختلفة بحسب المكان الذي هم فيه كنوع من الباطنية والتقية.
 وقد وصل الأمر بهم إلى نقض ما غزلوه بالأمس، وفقدوا المرجعية الدينية التي يزعمونها، وأصبح الأمر عندهم انتهازية بكل ما تعنيه الكلمة للوصول إلى المطامح الشخصية تحت ستار الدين، يأخذون بالحداثة حينما يرونها تخدم الأغراض تحت شعار مقاصد الشريعة، وربما جعلوها من صلب الدين، وكان ذلك جناية على الدين والمسلمين، لأن لكل واحد مقاصد وأهدافاً.
ولقد كان علماء الإسلام على الدوام يُعلمون الناس عقائدهم من معرفة الله وأسمائه وصفاته والنبوة ومهمتها والفرائض.. إلخ، ولا تزال والحمد لله فئة من أهل العلم قائمة بذلك ترى الدين فطرة سليمة، وسماحةً في التعامل، وتسامحاً مع الخلق، وتعايشاً مع البشر في إطار هذا الكون الذي أقامه الله على التنوع والتعدد. 
 ولكن الحزبيين أصبح تعليم الإسلام عندهم هو الانتخابات والبرلمانات والوزارات وجمع الأصوات. وكل ما أفرزته الديمقراطيات حين تحقق مآربهم، وأصبح الدين لا يذكر إلا قليلاً بسبب هذا التأويل الفاسد والعمل الكاسد، وإذا ذكر فحسب ما يتصورونه لا كما جاء من عند الله تعالى وفهمه المسلمون عبر التاريخ.
وقد نبَّه إلى هذا عدد من الذين عايشوا هؤلاء الحزبيين وعرفوهم، وفي هذا قال أحدهم: «أنا أعرف الناس بالإخوان لأني عاشرتهم داعياً عشرات السنين.. الأهم الآن عند الإخوان الاشتغال بالسياسة، وتلقف الأخبار السياسية واستنباط الأحكام من هذه الأخبار». وأصبحت المصالح السياسية والوصول إلى الغنائم المادية بارزة المعالم واضحة في التفكير والسلوك.
 وهذا قد جرَّ الحزبيين وهذه الشيع إلى الترنح ذات اليمين وذات الشمال، يفعلون عكس ما كانوا ينادون به بالأمس، وإذا جاء وقت آخر انقلبوا له أخرى، وهذا لا يخفى على متأمل، فتارة هنا وتارة هناك، وليس لهم رأي واضحٌ في قضية حلّت بالمسلمين عامة أو بلادهم خاصة، بل تجدهم يتلونون ألواناً، شتى حسب مصالحهم ومنافعهم، وينتهزون الأحداث.
 وإذا تعارضت المصالح بينهم، سلّوا السيوف، وشنّوا الحروب بينهم وأحياناً بين أبناء البلد الواحد، ولهذا فالانشقاقات تتوالى بينهم والاتهامات لا تتوقف ولكل واحدٍ تأويله الديني ودليله الذي ينفعه، فهم ينتقلون في حياتهم وأفكارهم من النقيض إلى النقيض في فترةٍ وجيزةٍ باسم المصالح والمقاصد، فمن يستطيع الآن أن يحدّد كم من كتلة في جماعة الإخوان؟ وكم من زعيم فيهم؟
 لقد حاول كل فريقٍ من هؤلاء الحزبيين أن يحصر الدين في فريقه وفي الفريق لربما كل واحد منهم يحصره في نفسه فهو ميزان الدين، وقسطاس العمل، ومن خالفه أو اعترض على سلوكه، فلا مكان له في الدين، وجعله هو وأصحابه عرضة لنهش أغرار مغيبين بالشتائم والسّباب، والتحذير منه دون بيان الأسباب، أو بالاتهامات والافتراءات، وهذا ما يأباه دين الإسلام، ويأباه العقلاء الراشدون.
 فالخطأ منهم اجتهاد صائب وعمل مأجور، ومِن كل واحد منهم لا عتب عليه ولا لوم في أي رأي أو تصرف، ولكن من غيرهم كيفما كان حاكماً أو عالماً أو باحثاً أو متعلماً جزاؤه التكفير والحرمان من الجنة، ويا لها من مصيبة عظمى حلَّت على المسلمين في هذا العصر من هؤلاء، لأنهم ضربوا وصايتهم على الدين وتأويله، وأعطوا لأنفسهم الحق في احتجازه، والمسلمون يأبون ذلك ويرفضونه!
 إنهم نظروا إلى الناس من أعلى، وأنهم أهل الحق والدين، فهُم الدين والدين هُم، وغيرهم ليسوا على شيء، بل جعلوا علماء الإسلام وصلحاء المسلمين الذين لا يوافقون هواهم محل الازدراء والاستخفاف والغمز واللمز، وتنفير الناس عنهم بكل الوسائل، وهل هذا عند العقلاء من الدين ومن الإسلام؟!، وبهذا الاضطراب والغموض والتلوّن. فقد ملؤوا قلوب بعض الشباب بهذه الأفكار، وشحنوا عقولهم بهذا المنهج والسلوك، فامتلأ بعضهم -وهم ليسوا بالكثرة والحمد لله- بالحقد والغيظ على الناس، ووجهوهم ضد دولهم وأهليهم وأوطانهم بعنف وقسوة، والشباب كما هو معلوم تجذبه العواطف وتجره الأماني.

إنهم جعلوا الشباب المغرَّر بهم يرون المحاسن والإنجازات في أوطانهم سوداء قاتمة، ويروّجون سوادهم وينشرونه بكل وسائل التواصل، المجلات والنشرات والمحاضرات والصحف سابقاً، وأضافوا إليها وسائل التواصل الاجتماعي والتلفزيون لاحقاً، كما بيّنه بتفصيل وتدقيق عدد من الذين كبروا في تنظيم «الإخوان» وكانوا منهم، في عدد من البلاد وفي دول الخليج العربي بوجه خاص، ثم أوقعوهم في المشاكل، وإذا حصل لبعضهم تلك المشاكل تَخَلَّوا عنهم وانسلوا وتركوهم لمصيرهم المجهول، كما بيّن ذلك بعض هؤلاء الذين نشأوا في أحضان تنظيم الإخوان، فقال: تنظيم الإخوان خذلني وتركني وأنا في أمس الحاجة إليه ولم يلتفت إليَّ، ثم وجه نصيحته للشباب الذين يُستغلون للإساءة إلى الأفاضل في بلادهم، بألا يتعلقوا بالوعود المعسولة وقت الرخاء، فالأزمات هي من تُصدّق هذه التنظيمات وتُكذّبها كما يقول، وهذا نموذج من نماذج كثيرة ومثيرة، مع وجود شبكات مالية كبيرة وواسعة تحت تصرفهم.  والأخطر من هذا كله أن قسماً من هؤلاء الشباب الأغرار عندما يصطدم بالواقع، أو يتهيأ له فهم صحيح، أو تفتر حماسته يتوجه وجهة أخرى عكس ما كان فيه!
 ويا لها من خسارة لبلاد العرب والمسلمين أن يُرزؤوا بشبابهم ويضيع فيها عنصر القوة والإبداع، وهم الشباب دون فائدة، ويضيع جزء عزيز من هذه الأجيال الصاعدة إن لم تُنقذ.
 ولقد ازداد بعض الشباب المخلص لدينه ووطنه حيرةً وضياعاً في هذه الأيام عندما تعرضت البلاد العربية في الخليج العربي للعدوان الغاشم الأثيم من الجار الغادر، فكان لقسم من هؤلاء الحزبيين منابر دعاية ولها تأثير على بعض الشباب الأغرار، الذين انحازوا إلى المتعدي دون حياء ولا خجل، وألبسوا انحيازهم اسم الدين والمصلحة، وأغرقوا جنايتهم بموجة من العاطفة العمياء، وتعدوا ذلك إلى أن نضحت صدورهم بما تخفيه من حقد وكراهية للبلاد العربية وتحركت ألسنتهم بالأماني والخيالات التي يحلمون بها، ولن تتحقق لهم بإذن الله، فلهذه البلاد قادتها الكبار، ورجالاتها الأحرار، وأبطالها المرابطون. 
إنَّ فكر هؤلاء الحزبيين هو سرابٌ خادع أمام الشباب يُضيّع الأجيالَ وأعمارَهم وجهودَهم، ولهم عبرة في من سبقوهم في هذه التنظيمات، فلما أدركوا الحقائق وعلموا مقاصد هذه التنظيمات ومخاطرها جعلوها خلف ظهورهم، ثم أعلنوا ابتعادهم عن تنظيم «الإخوان».
وإنَّ الإخلاص للوطن والدفاع عن حماه وحماية الأنفس والأعراض والأموال التي فيه، والسمع والطاعة لولي الأمر من ثوابت الدين التي لا يشك فيها مسلم، وقد جاء في الحديث الشريف: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، ‌وَمَنْ ‌قُتِلَ ‌دُونَ ‌أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ»، وفي هذا الحث على الدفاع عن الوطن وما فيه من حُرمات.
وإذا كان للشباب هبَّة سريعة، فالمسؤولية تجاهه جليلة وكبيرة حتى لا يصادف هذا الفكر، فيتأثر به قليلاً أو كثيراً أو يسير في هذا السراب، ومن الأولويات في ذلك أن يرسّخ في أجيال الشباب الصاعد، الحب والوفاء والولاء للوطن وقيادته لتكون في قلوبهم وعقولهم فلا تجد تلك الأفكار لها مكاناً عندهم. ولهذا وجبت مقاومة هذا الفكر الباطني الحزبي من كل مخلص لدينه ووطنه، وعلى كل المستويات الفكرية والمعنوية والمادية حتى لا يتسلل إلى العقول ونندم على الأجيال بعد ذلك.
كما أن إيجاد محاضن فكرية للشباب الناشئ ترعاهم وتغرس فيهم الإيمان وحب الأوطان وتركز على بناء العقول المبدعة، ولا تتركهم نهباً للعاطفة العمياء، والعاطفة لها مكانها وهي جزء من الإنسان لكنها يجب أن تقوم على العقل وسداد التفكير.
وإنَّ المساجد وأماكن العبادة في أرجاء هذا الوطن والحمد لله مفتوحة الأبواب أمام الناس من كل الأعمار لأداء شعائرهم، وإن الدروس والخطب التي تُلقى فيها وتحرص على صفاء الدين والأخذ بيد الشباب إلى التعايش والتسامح والاستقامة لها أهميتها في قطع الطريق أمام التأويلات الضارة، وتدحر التأويلات الحزبية والباطنية.
وإنَّ ترسيخ حب ولاة الأمر والوطن، وقوة الانتماء والولاء في مناهج التعليم والتربية في كل المراحل، مع جهود أخرى، هو الكفيل بطيّ صفحة الحزبيات وإبعادها من طريق الشباب، وهي مسؤولية مشتركة بين كل عقلاء الوطن.
حفظ الله قائد هذا الوطن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة حفظه الله، وحفظ حراسه الأوفياء وشبابه النوابغ، وبسط عليه رداء الأمن والأمان إلى يوم الدين.



إقرأ المزيد