حرب أوكرانيا.. لماذا لم تنتهِ؟
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 خلال حملته الانتخابية، وعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإنهاء الحرب في أوكرانيا خلال 24 ساعة، غير أنه بعد 17 شهراً على توليه منصبه، لا تزال الحرب مستمرة.
حينما بدأت حرب أوكرانيا في فبراير 2022، كان يظن أنه سيحسمها في غضون أيام قليلة. والواقع أنها لم تكن بالنسبة إليه حرباً، بل «عملية عسكرية خاصة». واليوم، وبعد مرور أربع سنوات وأربعة أشهر، لم تنتهِ الحرب.
في ربيع عام 2022، عمل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بنصيحة رئيس الوزراء البريطاني آنذاك بوريس جونسون، الذي قال له إن الدعم الغربي الكبير سيسمح له بخروج القوات الروسية من الأراضي الأوكرانية التي سيطرت عليها، بل واستعادة شبه جزيرة القرم التي ضمتها موسكو عام 2014، فرفض مشروع التسوية الذي اقترحته روسيا، والذي كان مجحفاً في حق أوكرانيا في الحقيقة، وراهن على انهيار الجيش الروسي، وهو ما لم يحدث ولن يحدث.
أحد الجذور البعيدة لهذه الحرب يعود إلى قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 2008، حين كانت الولايات المتحدة ترغب في ضم أوكرانيا إلى التحالف الأطلسي، في حين كانت فرنسا وألمانيا تعارضان ذلك بشدة لاعتقادهما على نحو صحيح أن من شأن خطوة كتلك تسميم العلاقات بين الدول الغربية والكرملين.
ثم توصّل أعضاء الحلف إلى حل وسط تبين لاحقاً أنه أسوأ الحلول على الإطلاق، إذ اعترف الناتو بحق أوكرانيا في الانضمام إليه في مستقبل غير محدد وأبقى عليها عند أبواب المنظمة. وبالمقابل، اعتبرت روسيا احتمال انضمام أوكرانيا للناتو يوماً ما تهديداً مباشراً لها، ونظراً لأن أوكرانيا لم تكن عضواً في الحلف، فإنها لم تكن مشمولة بغطاء التضامن الدفاعي الذي تنص عليه المادة الخامسة من ميثاق الناتو، لتصبح بذلك فريسة بلا دفاع.
والواقع أنه منذ حرب كوسوفو التي شنّتها دول «الناتو» عام 1999 ضد يوغوسلافيا، دون أي مسوّغ قانوني (غياب الدفاع الشرعي عن النفس، وغياب تفويض من مجلس الأمن الدولي)، لم يعد بوتين يؤمن بأن الناتو حلف ذو طبيعة دفاعية خالصة. ثم جاء الإخفاق الأميركي الكارثي في أفغانستان في أغسطس 2021 ليرسّخ لديه فكرة أن الولايات أصيبت بالضعف والإنهاك من جراء تدخلاتها العسكرية الخارجية.
بيد أن بوتين قلّل من شأن عزيمة الأوكرانيين على مقاومته، ومن حقيقة أن الشعور الوطني الأوكراني تحوّل إلى شعور مناهض لروسيا منذ أن ضمّت شبه جزيرة القرم. وعلاوة على ذلك، فإن الخوف الذي أثارته هذه الحرب، أحيا روح التضامن بين الدول الغربية وأعاد إلى الأذهان سلوكيات الحرب الباردة. والخوف من تهديد عسكري قادم من الشرق أخذ يستبد مجدداً بالدول الأعضاء في «الناتو». ولهذا السبب تحديداً، سارعت السويد وفنلندا إلى الانضمام للحلف الأطلسي عقب غزو أوكرانيا، هما اللتان كانتا ترفضان فعل ذلك إبان الحرب الباردة.
كان الرئيس الأميركي السابق جو بايدن يرى في أوكرانيا وسيلة جيدة للمساهمة في الضغط على روسيا، دون أي تكلفة بشرية بالنسبة للولايات المتحدة. لكن اليوم، وبعد مرور 52 شهراً على اندلاع الحرب، يجد طرفا الصراع نفسيهما في حالة «جمود استراتيجي» شبيه ببعض نهايات لعبة الشطرنج حين يتعذر على أي من اللاعبين الفوز أو الخسارة.
والواقع أنه لفترة طويلة كانت شروط زيلينسكي التي يدافع عنها الغرب غير واقعية، إذ كان يشترط انسحابَ الجيش الروسي من جميع الأراضي التي سيطر عليها بما فيها القرم، ودفع روسيا تعويضات الحرب لأوكرانيا. أهدافٌ كان يتطلب تحقيقُها إرسالَ قواتٍ ضخمة من قبل الدول الغربية لمساعدة الجيش الأوكراني، وهو ما رفضته على نحو حكيم تلك الدول تفادياً لاندلاع حرب عالمية ثالثة.
من جانبه، رفض بوتين عرضاً سخياً قدمه له ترامب في بداية ولايته، يسمح له بالاحتفاظ بالأراضي الخاضعة لسيطرته مقابل رفع العقوبات الغربية. واشترط بدوره شروطاً غير واقعية تشمل انسحابَ الجيشِ الأوكراني من كامل إقليم الدونباس.
اليوم، بلغ كلا الطرفين مرحلة الاستنزاف المتبادل، وباتا يواجهان صعوبات متزايدة في حشد وتجنيد المقاتلين، فضلاً عن تكبدهما خسائر بشرية واقتصادية هائلة، ومع ذلك، يواصل كلاهما الاعتقاد بأن نتيجة الحرب ستكون في صالحه في نهاية المطاف. ولكنه وهمٌ مكلف للغاية.
والحقيقة أن الحكمة تقتضي إنهاء الصراع بناءً على خط الجبهة العسكرية الحالية، وفتح حوار حقيقي حول نقاط الخلاف. غير أن بوتين دعا زيلينسكي للقدوم إلى موسكو، فيما يُعد بمثابة استسلام، في حين اقترح الرئيس الأوكراني في رسالة مفتوحة فتح مفاوضات مع نظيره الروسي في الوقت نفسه الذي ضاعف فيه استفزازاته له.
كل هذا يعني أنه في الوقت الحالي لا أحد من الطرفين يرغب حقاً في التفاوض، بل وأن هناك خطراً حقيقياً للتصعيد، وأن تحقيق السلام لن يتم حتى يصل الطرفان المتناحران إلى مرحلة الإنهاك التام.
*مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس. 



إقرأ المزيد