جريدة الإتحاد - 7/2/2026 11:42:51 PM - GMT (+4 )
كان «صفر» هو الرقم الاستثنائي الذي نشرته دورية «ذا لانسيت» الطبية الرائدة في مجال السرطان، حيث يشير إلى عدد النساء في أوائل العشرينيات اللاتي توفين في إنجلترا بسرطان عنق الرحم المرتبط بفيروس الورم الحليمي البشري «إتش بي في» بين عامي 2020 و2024، بفضل حملة تطعيم واسعة النطاق ضد الفيروس. وجاءت تلك النتيجة في الشهر نفسه الذي احتفلت فيه الولايات المتحدة بمرور 20 عاماً على طرح أول لقاح ضد فيروس «إتش بي في»، ورغم فعاليته الكبيرة في الوقاية، فإنه لا يزال غير مستغل بالقدر الكافي في بعض أنحاء البلاد.
وخلال العقدين الماضيين، تحققت نتائج مذهلة كان الباحثون يأملونها، إذ انخفضت إصاباتُ الفيروس بين أولى مجموعات الفتيات اللاتي تلقين اللقاح، ثم تراجعت حالات سرطان عنق الرحم بين النساء اللائي تلقين التطعيم في سن المراهقة، وأثبت اللقاح اليوم أنه ينقذ الأرواح.
كما أثبت اللقاح فعاليتَه في جوانب أخرى مهمة، فالدراساتُ دحضتْ المخاوفَ من أن الحماية التي يوفرها اللقاح لا تدوم طويلًا، بل وأكدت أن تلك الحماية لا تتلاشى عملياً، كما تبين أن جرعتين تحققان الفعاليةَ نفسَها التي كانت تتطلبها ثلاث جرعات، بل تشير الأدلة إلى أن جرعة واحدة قد تكون كافية في بعض الحالات.
ويؤكد الباحثون أن جميع النتائج المتعلقة باللقاح كانت إيجابية على مدار السنوات.ويأمل الباحثون أن تمتد هذه النتائج السارة إلى أنواع أخرى من السرطانات المرتبطة بفيروس «إتش بي في»، مثل أورام الرأس والرقبة التي تزايدت خلال السنوات الأخيرة وتصيب الرجال بمعدلات أعلى. كما ترسم الدراسةُ البريطانية صورة لمستقبل يمكن فيه القضاء على الوفيات الناجمة عن أمراض يمكن الوقاية منها، وهو هدف ينبغي للولايات المتحدة أن تعمل على تحقيقه.
ورغم التقدم الذي أحرزته أميركا، فإنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من الجهد للقضاء على سرطان عنق الرحم. ويتطلب تحقيق ذلك رفع معدلات تطعيم الفتيات، وهي معدلات لا تزال متفاوتة بين الولايات، إذ توجد مناطق تقل فيها نسبةُ الأطفال المطعَّمين عن النصف. وفي ظل عدم اعتماد مسؤولي الصحة الأميركيين استراتيجيةً شاملةً، بسبب مواقف وزير الصحة روبرت كينيدي جونيور المناهضة للتطعيم، ومشاركته في دعاوى قضائية ضد مصنعي لقاح الفيروس، تبدو فرص إطلاق خطة وطنية للقضاء على سرطان عنق الرحم، خلال الإدارة الحالية، فرصاً ضئيلة.
ومع ذلك، يمكن اتخاذُ خطواتٍ عمليةً للاقتراب من الهدف، إذ يمكن للجمعيات الطبية وجماعات الدفاع عن حقوق المرضى وأنظمة المستشفيات.. إلخ، وضعُ استراتيجيةٍ وجداولَ زمنيةً للقضاء على المرض، كما يمكن لولايات أخرى أن تقتدي بولاية ألاباما التي أطلقت عام 2023 أولَ مبادرة للقضاء نهائياً على سرطان عنق الرحم. ويمكن لبعض التغييرات البسيطة والعملية التي يُجريها مقدمو الرعاية الصحية أن تُحدث فَرقاً ملموساً.
فمقدمو الرعاية الصحية هم الأكثر تأثيراً على قرارات الآباء بشأن تطعيم أطفالهم، فعندما يوصي الطبيبُ المعالجُ بلقاحِ فيروس «إتش بي في»، تزدادُ احتماليةُ حصولِ الأطفال عليه. وقد طوَّر نويل بروير، أستاذ الصحة العامة بجامعة نورث كارولاينا، أسلوباً قائماً على الأدلة يُعرف باسم «نهج الإخطار»، يقوم على إبلاغِ وليِّ الأمرِ عندما يحين موعدُ تطعيم الطفل، ثم الإجابة عن أي تساؤلات تسبب ترددهم في تطعيمه، حتى يشعروا بأن مخاوفهم مفهومة. وإذا رفض الوالدان، يعاود الطبيبُ مناقشةَ الأمر في الزيارات التالية.
ومن أبسط وسائل زيادة الإقبال على اللقاح أن يبدأ الأطباء بالتوصية به عند بلوغ الأطفال سن التاسعة، بدلا من سن ال11 التي توصي بها حالياً اللجنة الاستشارية للقاحات التابعة لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها. ورغم أن الفارق يبدو بسيطاً، فإنه يؤثر عملياً، لأن اللقاح لا يُدرج عادة ضمن التطعيمات المستحقة في السجلات الصحية إلا عند سن ال11. كما أن إعطاء اللقاح في سن التاسعة، وهو النهج الذي أيدته الأكاديميةُ الأميركيةُ لطب الأطفال، يوفر مزايا عديدةً، إذ يُعطى في عام لا يتلقى فيه الأطفالُ لقاحاتٍ أخرى. ويسمح التطعيم المبكر أيضاً بإتاحة فرص إضافية لمقدِّمي الرعايةِ الصحية لإعادة مناقشة التطعيم إذا رفضه أحدُ الوالدين، كما يزيد فرصَ نجاح التطعيم خلال المرحلة العمرية التي ينتج فيها الجسمُ أكبرَ كمية مِن الأجسام المضادة، إذ أظهرت الدراساتُ أن غالبيةَ أولياء الأمور يغيرون موقفَهم عندما يعاود الطبيبُ طرح الموضوع. وعلى مدى 20 عاماً، كانت الولاياتُ المتحدةُ تمتلك وسيلةً فعالةً للوقاية من السرطان، وتخفيف معاناة المرضى، وإنقاذ الأرواح، وكان يجب استغلال أقصى إمكاناتها منذ زمن.
*كاتبة تُغطي مجالات التكنولوجيا الحيوية والرعاية الصحية وصناعة الأدوية.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


