جريدة الإتحاد - 7/3/2026 12:21:46 AM - GMT (+4 )
شدّني، أكثر من أي تفصيل آخر، بينما كنت أتابع الإحاطة الإعلامية التي عقدتها وزارة الأسرة ومجلس السلامة الرقمية للطفل في مقر المؤثرين بأبراج الإمارات، أمس الأول، حضور عدد من الأطفال الذين جلسوا بين الإعلاميين وصنَّاع المحتوى بثقة لافتة. أحدهم يمتلك أكثر من أربعمائة ألف متابع. عندها أدركت أن العالم الذي عرفناه قبل سنوات قليلة تغيّر، وأن مفردات جديدة أصبحت تفرض نفسها على واقعنا الإعلامي والاجتماعي.
لم يعُد وصف «المؤثر» حكراً على المشاهير أو أصحاب التجارب الطويلة، بل أصبح لقباً يحمله طفل لم يتجاوز سنواته الأولى، يخاطب جمهوراً واسعاً، ويصنع محتوى يتابعه مئات الآلاف. إنها ظاهرة تستحق التأمل، لا للاحتفاء بها أو التخوف منها، وإنما لفهم أبعادها وكيفية التعامل معها.
ولعل أجمل ما شهدته تلك الإحاطة، ذلك السؤال العفوي الذي طرحه طفلان من صنّاع المحتوى على معالي سناء بنت محمد سهيل، وزيرة الأسرة، حين سألا: لماذا مُنع الأطفال دون الخامسة عشرة من استخدام منصات التواصل الاجتماعي؟.
كان السؤال ذكياً، وكانت الإجابة أكثر عمقاً. فقد أوضحت معاليها أن القرار لم يولد من فراغ، ولم يكن رد فعل عابراً، بل جاء نتيجة دراسات علمية ومشاركة واسعة من مؤسسات وطنية وخبراء وأن المعيار الوحيد الذي استند إليه هو مصلحة الطفل.
وهنا تكمن أهمية الرسالة. فالقضية ليست معركة ضد التقنية، ولا رفضاً لعالم رقمي أصبح جزءاً من حياتنا اليومية، وإنما هي محاولة لإعادة التوازن إلى مرحلة عمرية تُعد الأكثر حساسية في تشكيل الشخصية والهوية والثقافة. فالطفل لا يبني ذاته بالشاشة وحدها، بل بالأسرة، والمدرسة، والكتاب، والرياضة، والحوار، والتجربة الإنسانية المباشرة.
خرجت بانطباع إيجابي من تلك الإحاطة. فحين تتعامل الإمارات مع قضية تمسّ أبناءها بهذه الرؤية العلمية الهادئة، فإنها تؤكد مجدداً أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان، وأن حماية الطفل ليست إجراءً تنظيمياً فحسب، بل مشروعاً وطنياً للمستقبل.
قد يستمر هؤلاء الصغار في صناعة المحتوى، وقد يصبح بعضهم نجوماً في الفضاء الرقمي، وهذا أمر لا يدعو إلى القلق إذا توافرت الضوابط والوعي. أما الرهان الحقيقي، فهو أن يكبروا وهم أكثر تأثيراً في مجتمعهم بعلمهم، وثقافتهم، وأخلاقهم، لأن الأوطان لا تُقاس بعدد المتابعين، وإنما بعدد العقول التي تُحسن صناعة المستقبل.
الإمارات، وهي تراهن دائماً على الاستثمار في الإنسان، تدرك أن صناعة المستقبل تبدأ من حماية الطفل، وأن بناء جيل قادر على المنافسة لا يتحقق بعدد المتابعين، بل بعمق الشخصية، وسلامة الوعي، وتوازن النمو.
إقرأ المزيد


