‏أصدقاء نتذكرهم
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

نتذكرهم، مثلما تتذكر النجمة ليلة صافية من دون غبار، ومثلما تستدعي الشجرة قطرة المطر، وفي الذكرى، تستيقظ صور، ومشاهد، وأحاديث، وتستيقظ أحلام مرّت بين الرموش مثلما تمر الجداول بين أشجار النخيل، فتمنحها العذوبة، تمنحها الوعي بأهمية أن يتذكر الكائن، ولأن في الذكرى، ينمو الحنين، وتكبر في القلب مشاعر قد تكون همدت، وقد تكون تخاذلت، وقد تكون سهرت كثيراً على عدِّ المكاسب والخسارات فتعبت، ونامت، حتى وقت متأخر من العمر، بعدها لا تنفع الذكرى، ولأنها جاءت في وقت أصبح التاريخ مثل أعجاز نخل خاوية. 
أصدقاء نتذكرهم، فيصعدون سلم الذاكرة، يصعدون جذع نخلة العمر، ونراهم عن قرب، يقطفون من ثمرات الفرح سالف الذكر، نراهم يحملون على أكتاف زمنهم، ابتسامة خجولة، تراعي ظرف الحياة، وتراعي وضع من نسى ولم يتناسَ ولما فتح عينيه، وجد عربة الزمن قد تركت خلفها غباراً ودخاناً، وتركت أشباه ذكريات، ولكنها لا تشفع لأن توقظ قلوباً أهدرت الوقت في النسيان، وأسرفت في ضياع العمر، في مهارات زائفة، عبقريات اختزلت الفرحة، في قنوط. 
أصدقاء غابوا خلف جدران الذاكرة، وراحوا يلملمون تفاصيلهم المتناثرة على تراب تطلعات لا جدوى من الإمساك بها، لأنها تشبه بقايا طعام بائت، لعبت فيه بكتيريا الوقت الضائع، وأصدقاء تلاشوا مثل فقاعات على وجه موجة طارئة، وراحوا يبحثون عن أشيائهم الصغيرة، بين ركام مشاهد رمادية، لا تشي بحدوث ما يتمناه المرء أن يحدث، بعد مرور عقود من خمول الذاكرة وبرود طقسها، وانعكاس الضوء الخافت على مراياها. 
أصدقاء، كانوا، واليوم قد ذهبوا، اليوم قد خابت مراياهم عن طيب مسعى، واندثروا، بل تناثروا مثل حبات قمح على تراب رملي وأصدقاء نكثوا، وحثّوا القلوب على نسيان ما قد مضى، والذي مضى شيء من أحلام صغيرة، ولكنها أجمل من نجوم الليل بريقا، وأنبل من وردة برية نهاراً.
أصدقاء، هم وأحبة، سكنوا قرة العين، وقرار الروح، أصدقاء تمكّنوا من قطف الحنين من جذور الفؤاد، وساروا مهرولين للاشيء، وفي اللاشيء تسكن حثالة أمواج تبعثر الحنان، ومن الحنين تجعل، صمتاً، رهيباً، يحرك المواجع، ولا يتحرك في قلوبهم ألم.. أصدقاء يحن إليهم زقاق مروا فيه، وكلموا الجدران، سألوها، ولم يصح جدار، ولم تستيقظ، بل جلل الليل سماره بستر، وخدر، وصارت الأزقة أسرة لعشاق حلموا بالحياة، حلموا بابتسامة تتشقشق مثل فجر، يغادر منطقة الليل ويغادر العتمة، واليوم، عندما يقف المفتون بالليل، يسأل الجدران أين هم رحلوا أين هم رحلوا، تقول بحياة، لقد غابت عنهم الشمس ولم يصلوا، والمضارب تبكي الخلان والطير يسأل عن عش وقع سهواً.



إقرأ المزيد