جريدة الإتحاد - 7/3/2026 12:21:59 AM - GMT (+4 )
حين وصلت واحة العين، استبشرت المدينة والناس بها، هكذا يفعل بعض الناس بما وهبهم الخالق من أشياء لا تعرف لها تفسيراً غير أنها الطيبة والصفاء، والقدرة على صنع البسمة، كانت شابة جميلة، ولها من بياض القلب وسماحة الوجه، والعفوية ما جعلها محط نظر عيون الكثير، كانت خفيفة ومنطلقة، والابنة الوحيدة لأحد الرجال المغامرين الذين استقروا في هذه الواحة البعيدة عن ذلك البر الشمالي، كان من المتنورين والطليعيين الذين كانوا يحلمون بأماكن بكر وأناس لم يتلوثوا، وجاءت به خطواته الهاربة في الظلام من تعسف لم يعرف له سبباً، تاركاً زوجته وابنته وأمه؛ لأنه كان يخاف عليهم، وكانوا هم يخافون عليه، حين وصل في الأربعينيات كان يساعد في الطبابة والزراعة وكل ما ينفع الناس، فأحبه الناس ودعوه واحداً منهم، وحين يفعلون ذلك تظل القلوب وأبوابهم مفتوحة له.
حين وصلت كانت فرحة بأنها انضمت لأبيها من جديد والذي تعرفه بالمراسلات أكثر من اللقاءات التي كانت تأتي قصيرة ومتباعدة، وفي مدن مقترحة، كانت في العشرين تشع جمالاً ومعرفة، لذا كثر خطابها طالبين يدها من أبيها الذي كان يعرف الناس ويقول لهم ضاحكاً، وعارفاً بطيبتهم: إذا بتناسبوني.. بناسبكم! في تلك الأجواء الجميلة والأسرية، قررت ليلى أن تستغل مهاراتها في التعليم، وبراعتها في القبول، بدأت تعلم النساء والبنات وصغار الأولاد القرآن وبعض الكتابة والحساب، وكثيراً من المهارات الجديدة التي لا يعرفونها، واكتسبتها من دراستها في الداخل والخارج، كانت الفصول الدراسية الصغيرة والمتلاصقة ببيت أبيها تجذب الكثير من الفتيات، وأحياناً تجلسهن تحت ظل السدرة، حيث كانت تعلّمهن ليس فقط المعرفة، بل مهارات الحياة، وما ينفع النساء في البيت، والتي كان يعدها البعض منهن أنها غريبة وربما عيب في ذلك المجتمع البسيط.
لكن الحياة لم تكن سهلة، فمثل هذه العائلة تعرف معنى الكد، ومعنى البعد، ومعنى أن لا تُكافأ بمثل نيتك البيضاء، لكن يجب ألا تكون شخصاً عابراً في هذه الحياة دون أثر، قدمت هذه الشابة عشر سنوات ناثرة المعرفة وأنوارها، والبسمة وأحلامها في قلوب الناس، وفي مكان احتضن أباها دون أن يسأل، وقدم هو للناس أشياء دون أن يسأل، وجاءت ابنته مثل حلم جميل غشى أم سبع البلادين، ناشرة شيئاً جميلاً أحبه الناس، شيئاً من التنوير، شيئاً من السعادة، شيئاً حرك فيهم أسئلة وأجوبة ومعرفة ما كانت لتصل إليهم لولا أنهم فتحوا قلوبهم وأبوابهم لهذا الأب وابنته التي تحملت وتعبت من أجل ما تشتهي نفسها، ويسعد روحها، وتفرح قلوباً أخرى في هذا المكان البعيد والقريب، استطاعت أن تتغلب على التحديات بسعة حلمها وعمق معرفتها، وعملها المجتمعي وما يفيد الناس، وارثة ذلك من تاريخ نضال أبيها، الذي حين قال: سأهاجر إلى مكان جديد وبعيد بحثاً عن إنسان يتشكل، قالت البنت: أنا قبلك!
وحدها أم سبع البلادين كادت أن تبكيهم حرقاً وعطشاً، سادين عليهما كل المنافذ بطيبة قلوبهم وبحبهم الصادق لهما، متذكرين قوله: إذا ما بتناسبنا.. بناسبك!
إقرأ المزيد


