حدود الدور الأميركي لتغيير إسرائيل
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

تتداخل الخيارات الأميركية بصورة لافتة للتعامل مع أوضاع إسرائيل الداخلية، وتهديد الإدارة الأميركية بالتدخل في الواقع السياسي في إسرائيل، خاصة مع بدء الاستعدادات الجدية للانتخابات المقبلة، ما يؤكد أن الفرص قائمة للمضي قدماً في هذا المسار، خاصة أن توتر العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل قد يسمح بذلك في ظل ما يجري، وإن كان الأمر يمضي في سياق من التباينات الشكلية. 
والعلاقات بين الجانبين تتسم بأطر محددة منضبطة، وإنْ خرجت بعض التصريحات الأميركية أو الإسرائيلية، ولاعتبارات متعلقة بتطور العلاقات في مستواها الثنائي والإقليمي والمرتبط بالسلوك الإسرائيلي في الإقليم، ومدى قدرة الولايات المتحدة على ضبطه، أو العمل وفق المقاربة الأميركية لتنفيذ مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية خلال الـ60 يوماً المقبلة، ما قد يعطي للرئيس الأميركي الفرصة لضبط مشهد الانتخابات الخاصة بالتجديد النصفي للكونجرس، والانتقال تدريجياً إلى الضغط على إيران، فيما ترى الحكومة الإسرائيلية بأن لجم السلوك الإيراني والسيطرة عليه، وإنهاء الخطر الوجودي والسيطرة على ما تملكه إيران من مقدرات سواء المتعلقة بالنووي، أو البرنامج الفضائي يتطلب فعلياً التعامل العسكري واستمرار تطويق الخيارات الإيرانية.

وفي هذا السياق، فإن فرص التعامل الأميركي مع الداخل الإسرائيلي لتغيير قواعد اللعبة قبل الانتخابات الإسرائيلية، ستظل قائمة بصرف النظر عما يجري من مهاترات تقوم بها الأحزاب الدينية و«الليكود»، ويأتي في إطارها: أولاً، محاولة تطويع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو انتظاراً لما سوف تأتي به نتائج التحقيقات بعدما انتهت المحاكمات بالكامل، وبقي القرار في يد القضاء لتقرر مصير نتنياهو الفعلي، إما بالإدانة الكاملة، وإما بإقرار عدم مسؤوليته عن بعض الاتهامات التي وجهت إليه، ما يؤكد أن إسرائيل قد تكون على موعد مع التغيير من الداخل خاصة أن الرئيس الإسرائيلي اسحق هرتسوج رفض العفو عن نتنياهو برغم تدخل الرئيس الأميركي ومناشدته ذلك من قبل. وبالتالي فإن بقاء فرص التدخل الأميركي قد تبدو مؤجلة إلى حين اتضاح المشهد القانوني لنتنياهو.
الثاني: الدخول من الآن في لعبة التغيير غير المباشر، خاصة أن الرئيس ترامب، وفي أتون ما كان يجري في غزة وتباين مواقف الطرفين في إدارة الحرب التقى بزعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد في البيت الأبيض، ومن ثم فإن التحرك في اتجاه المسار الآخر والانتقال إلى دعم كل من يائير لابيد ونفتالي بينت ويائير جولان قد يكون وارداً، وهم الثلاثي الذي يمكن أن يكون خياراً منافساً لنتنياهو، أو العمل من داخل ليكود في ظل الصراع الجاري بهدف محاصرة نتنياهو، خاصة أن احتمال تأخر صدور حكم نهائي وارد، ومن ثم فإن نتنياهو قد يدخل الانتخابات ويحقق فوزاً متقدماً، ويعود من جديد.
في هذا السياق من المتغيرات المحتملة، فإن الإدارة الأميركية قد تتجه إلى تبني خيارات أخرى في التعامل، وتغيير زاوية المشهد، خاصة أن الرئيس ترامب لن يقبل بأي مساس بالاتفاق مع إيران على الأقل في المدي القصير، انتظاراً للدخول في دائرة انتخابات التجديد النصفي بالكونجرس، والتحرك في اتجاه تحقيق انتصار يحسب له خاصة أن الوضع في الحزب «الجمهوري» يتسم بحالة عدم الاستقرار ومخاوف الانقسامات واردة.
وتستطيع الإدارة الأميركية الانفتاح على المشهد الداخلي إسرائيلياً، ورفع الغطاء عن الضمانات المتاحة للحكومة الإسرائيلية أو من خلال محاصرة نتنياهو بالخيارات الأميركية، مع الضغط في اتجاه وقف ترتيباته الأمنية والعسكرية في الجنوب اللبناني بل وفي غزة، حيث ما زالت هذه الإجراءات والتدابير الأمنية مستمرة بهدف تأمين إسرائيل من أية مخاطر واردة ومحتملة، ما قد يدفع نتنياهو للعمل في اتجاه آخر، من دون تقديم أية تنازلات حقيقية، وإن قبلت الحكومة الإسرائيلية، ونتنياهو ببعض الضغوطات ولو الشكلية منعاً للصدام الراهن، ما يؤكد أن الطرفين في مرحلة الاختبار الحقيقي والتعامل من أعلى إلى حين اتضاح الصورة كاملة.
 ومن المتوقع بأن تتحرك مؤسسات دعم ورعاية العلاقات مثل «أيباك» كبرى المنظمات اليهودية وأصدقاء إسرائيل في الكونجرس، ومراكز البحوث الأميركية الداعمة لإسرائيل للعمل في مسار تهميش التجاذبات وتأمين مسارات، واتجاهات العلاقات ومراجعة موقف الأطراف المعنية مع الضغط على الإدارة الأميركية لمراجعة مواقفها، وهو ما تفعله «أيباك» مؤخراً، حيث أعادت ترتيب استراتيجية التحرك الراهن لدعم إسرائيل مع فصل ما هو شخصي متمثلاً في نتنياهو وبين ما هو مؤسسي، ومتعلق بمؤسسات التعامل الأميركي مع إسرائيل كدولة، وحكومة بمكوناتها اليمينية الحالية.
ويبدو أن الجهات الأميركية الداعمة لإسرائيل مستمرة في موقفها بصرف النظر عما هو مطروح من تباينات في مستوى العلاقات بين واشنطن وتل أبيب، وليبقي السؤال هل ستنجح هذه الجهات في مواجهة ما يمكن أن يطرأ أميركياً، ويتعلق بالتعامل مع الداخل الإسرائيلي بأكمله برغم كل ما يجري من تطورات في هيكل العلاقات الثنائية، وبما يسمح بالفعل بالتحرك في اتجاهات محددة منضبطة حفاظاً على مصالح الولايات المتحدة أولاً قبل أي مصالح لأي دولة بما في ذلك إسرائيل، والتي ستظل إشكالية داخلية، وليست مجالاً لصراع داخل الكونجرس بحزبيه «الجمهوري» و«الديمقراطي».
*أكاديمي متخصص في الشؤون الاستراتيجية.



إقرأ المزيد