الاتحاد الأوروبي والتحولات المعاصرة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

تستضيف العاصمة البلجيكية بروكسل، في الثالث عشر من يوليو الجاري، المنتدى الخليجي الأوروبي الثالث رفيع المستوى للأمن الإقليمي والتعاون بين مجلس التعاون لدول الخليج العربية والاتحاد الأوروبي، في إطار مواصلة الحوار الاستراتيجي وتعزيز الشراكة وتكثيف التنسيق والتشاور بشأن التطورات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، ولا سيما الأمن البحري وحماية حرية الملاحة في الممرات البحرية الدولية، بما في ذلك مضيق هرمز. ويعد المنتدى إحدى الآليات التي اعتمدتها دول مجلس التعاون مع بعض أهم شركائها الدوليين لترسيخ رؤيتها في الحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

ويُمثل الاتحاد الأوروبي أحد أبرز التجارب التكاملية في التاريخ السياسي والاقتصادي الحديث، إذ تطور تدريجياً إلى اتحاد اقتصادي وسياسي واسع النطاق يضم مؤسسات كبرى كالمفوضية الأوروبية، والبرلمان الأوروبي، ومجلس الاتحاد الأوروبي.

وقد لعبت الحرب الباردة دوراً محورياً في تشكيل هويته السياسية والاقتصادية، وفي تكريس التكامل الأوروبي الذي أسهم في ترسيخ فكرة أوروبا الموحدة. ومع نهاية الحرب الباردة انتقل الاتحاد الأوروبي من مرحلة التكامل إلى مرحلة التوسع، بضم دول أوروبا الشرقية والوسطى، مثل بولندا والمجر والتشيك ودول البلطيق، في إطار ما يمكن وصفه بإعادة هندسة الاتحاد الأوروبي سياسياً واقتصادياً، في توجه هدفَ إلى تحويل الاتحاد من مشروع تكامل إقليمي إلى مشروع استقرار وتعاون دولي أوسع. غير أن العقدين الأخيرين شهدا تحولاتٍ عميقةً أثارت تساؤلاتٍ حول مستقبل هذا المشروع.

فقد واجه الاتحادُ تحدياتٍ متعددةً، أبرزها خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، وتصاعد النزعات بين الدول الأعضاء، إضافة إلى الأزمات الاقتصادية المتكررة، وأزمة الهجرة، وتداعيات الحرب في أوكرانيا في ظل اختلاف القرار الأوروبي وانعدام التماسك في مواجهة الأزمات الدولية.وفي سياق علاقاته الخارجية، برزت العلاقة بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي كأحد أطر الشراكة الإقليمية المهمة. وقد تأسس الإطار المؤسسي لهذه العلاقة باتفاقية التعاون لعام 1988 بين الجانبين، والتي أرست قاعدةً أوليةً لحوار سياسي واقتصادي وأمني منتظم.

ومع مرور الوقت، تطورت هذه العلاقة إلى ما يشبه «الشراكة متعددة المستويات»، تشمل الحوار السياسي، والتعاون الاقتصادي، وأمن الطاقة، والاستثمار، إضافةً إلى قضايا الأمن الإقليمي، إلا أن هذه الشراكة لا تزال تُصنف ضمن «الشراكات غير المكتملة»، لاعتمادها بشكل كبير على الجانب الاقتصادي، مقابل انخفاض بعدها السياسي والمؤسسي. وفي هذا السياق، يبرز البعد المقارن مع التجارب الإقليمية الأخرى، حيث يمكن النظر إلى العلاقة مع دول مجلس التعاون كاختبار عملي لقدرة الاتحاد الأوروبي على تحويل قوته الاقتصادية إلى نفوذ سياسي منظم خارج حدوده التقليدية.

كما تعكس هذه العلاقةُ أهميةَ المصالح المتبادلة في مجالات الطاقة والاستثمار والاستقرار. كما أن التحولات الجيوسياسية الحالية تفرض على الاتحاد الأوروبي إعادة صياغة موقعه في النظام الدولي، خصوصاً في ظل التنافس على الطاقة، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، وتزايد أهمية الأمن السيبراني والتكنولوجي كأداة قوة جديدة، فالاتحاد لم يعد فاعلاً مهيمناً كما كان يُنظر إليه في السابق، لاسيما مع تراجع قوته الاقتصادية، ومحدودية تأثيره السياسي والعسكري.

واليوم يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى إعادة تعريف دوره وتحديد أهدافه وصياغة أولوياته، فمن المؤكد أن الاتحاد الأوروبي كمنظومة ديناميكية إقليمية، يمر بمرحلة إعادة توازن بين طموح الوحدة وتحديات السيادة الإقليمية، ونجاحه في المستقبل سيعتمد إلى حد كبير على قدرته على تجاوز الانقسامات الداخلية، وتطوير أدواته السياسية والأمنية، وتعزيز إمكاناته الاقتصادية، بما يتناسب مع العالم متعدد الأقطاب الذي نعيشه الآن بكامل تعقيداته وتحدياته.

*كاتبة إماراتية
 



إقرأ المزيد