خطاب الهراء العربي.. مرةً أخرى
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

أحببت تسمية هذه المقالات بـ «خطاب» الهراء العربي وسعيت للابتعاد كلمة «ثقافة» لأن الخطاب يمكن صناعته أما الثقافة في أصعب بكثيرٍ، وخطاب الهراء العربي له تجلياتٌ متعددةٌ، فمنه «هراء» القومية بتفصيلاته المعروفة، «الهراء حول الناصرية» و«الهراء البعثي» بين سوريا والعراق ومن قبلهما «الهراء اليساري» وإن كان يجب الإقرار بتميز بعض الطروحات الناصرية الرصينة علمياً وإن كانت منحرفةً فكرياً أو سياسياً.
كل مثقفٍ يقرأ طروحات القوميين والبعثيين وغالب اليسار وطروحات الإسلامويين يكتشف بسهولة ضخامة تلك الطروحات الهرائية التي سودت الصحائف وأصدرت الكتب ذات المجلدات وملأت الفضاء صحافةً وتلفزيوناً وكتباً ومنشوراتٍ، بكميةٍ من الكلام المنّمق الذي لا يوصل إلى فكرٍ سليمٍ ولا يرسخ منطقاً صحيحاً ولا يطوّر ثقافةً ولا يبني مجتمعاً، والأمثلة أكثر مما يمكن تتبعه أو الإشارة لبعضه.
ثمة نقدٌ حقيقيٌ قدّم للتراث يستحق الإشادة وهو جدير بالإشارة، ولكن الحقيقة أن نقد التراث تحديداً تبنته مناهج متعددة لأسماء مشهورةٍ، ومن ذلك ما كتبه «محمد عبده» و«قاسم أمين» وغيرهما كثيرٍ مما نفع الناس ومكث في الأرض، ثم بلي هذا النهج بتيارين: الأول، سعى لإثارة الشغب وطرح التشكيك ومناكفة الخصوم والاعتماد على التعميم في محل التخصيص، والإصرار على التخصيص في مكان التعميم، في مفارقاتٍ كثيرةٍ يمكن جمعها وإحصاؤها.
وقد كتب جمال الدين القاسمي والكواكبي وغيرهما على نفس النهج الناقد للتراث دون قفزاتٍ للمجهول أو خداعٍ لقواعد العلوم، كما كتب آخرون جاءوا بعدهم واستخدموا المناهج الحديثة في قراءة التراث من أمثال فهمي جدعان، ومحمد عابد الجابري، وجورج طرابيشي، وعبدالله العروي، ومن تبعوهم، مثل حامد أبو زيد، وهو ما شكل ظاهرةً جديدةً في تناول التراث العربي لم تكن معروفة من قبل، لأنها عبرت عن مشاريع جديدةٍ لمفكرين أكثر عمقاً في تفكيرهم وتماسكاً في طروحاتهم، وإن تباينت التوجهات والغايات، مع استحضار أن هذا التيار وغيره لا تعبر عنه مشاريع الأفراد فحسب، بل ودور النشر ومراكز الدراسات والصحافة والقنوات والمواقع الإلكترونية.
هذا فقدٌ في فكرة نقد التراث في رصد «خطاب الهراء العربي»، والقضايا الأخرى لا تقل شأناً ولا مكانةً عن هذه القضية، ويكفي المقارنة بين طروحات مشروعين كبيرين في دور النشر العربية، أولها مركز دراسات الوحدة العربية، وثانيهما هو المعهد العالمي للفكر الإسلامي.
ثمة عشرات الأسماء والرموز التي يمكن تتبع طروحاتها وتطوراتها من غير ما ذكر أعلاه، ومنهم فؤاد زكريا وحسن حنفي وعبدالمجيد الشرفي وعزيز العظمة وهادي العلوي، وكذلك سيد قطب وأخيه محمد وأحمد الجندي وعبدالوهاب المسيري، وغيرهم كثيرٌ، ولكلٍ من هؤلاء موقعٌ وسياقٌ يمكن قراءة فكره من خلاله، وقياس طروحاته بغيره ورصد منهجه وأهدافه وغاياته، ولكن المساحة لا تكفي لهذا كله، ولا يكفي هنا من القلادة ما أحاط بالعنق.
خطاب الهراء العربي يعبّر عن تسويد الكتب والصحف والمقالات والدراسات والأبحاث التي لا تكاد تقول شيئاً وإنما هي الكتابة للكتابة والتعبير للتعبير، إما بغرض التحشيد وإما بغرض الإغراق وإما لأغراضٍ أخرى حزبيةٍ كانت أم سياسيةٍ، أيديولوجيةٍ كانت أم خرافيةٍ، ومن يراقب ويحصي طروحات الهراء العربي مقارنةً بالطروحات العلمية والفكرية المعتبرة في هذه اللحظة التاريخية يكتشف أننا نفوق غيرنا من الحضارات والثقافات بالقدرة على الهراء والهراء «المبجل» كما هو تعبير الدكتور معجب الزهراني.
أخيراً، فهذه تعليقاتٌ سريعةٌ على المقالة السابقة التي تدفع دفعاً للتعليق على بعض الانتقادات السريعة التي لم تكن قادرةٌ على استيعاب الفكرة الكبرى والسياق الذي تتجه نحوه هذه المقالات المختصرة.



إقرأ المزيد