جريدة الإتحاد - 7/7/2026 11:21:05 PM - GMT (+4 )
ليست وثيقة إلغاء الرِّق في سنة 1846 مجرد خبر من أخبار تونس، ولا مناسبة للحديث عن سبق بلد على بلد، بل هي شاهدٌ على لحظة نادرة في تاريخ الإصلاح الإسلامي الحديث، لحظة اجتمع فيها نظر الحاكم، ووعي العلماء، وقوة القواعد الشرعية، لتنتقل كرامة الإنسان من معنى أخلاقي عام إلى قرار نافذ.
كان أحمد باشا باي يدرك أن قضية الرق لم تَعُد مجرد باب من أبواب الفقه الموروث، بل صارت واقعاً تختلط فيه التجارة بالغلبة، والعادة بالاستغلال، وتضيع فيه الشروط التي تكلم عنها الفقهاء في أزمنة وسياقات مخصوصة. ولذا جاء القرارُ لا بوصفه خروجاً على الشريعة، ولا تقليداً لموجة خارجية، بل بوصفه تصرُّفاً من تصرُّفات الإمامة حين ترى أن بقاءَ ممارسة ما صار سبباً للضرر والامتهان.
قيمة الوثيقة أنها لا تقدم الإصلاح بوصفه صداماً بين الدولة والفقه، بل تكشف عن إمكان آخر: أن تتحرك الإرادة السياسية في أفق المصلحة العامة، وأن يواكبها نظرٌ علمي رصين يعرف كيف يميّز بين النَّص والعادة، بين الحكم ومحيطه التاريخي، بين المقصد والصورة التي لبسها في زمن من الأزمنة. وفي هذا المعنى يظهر عمق المدرسة المالكية، بما رسّخته من اعتبار للمصلحة، وسدٍّ للذرائع، ورفعٍ للضرر، ومراعاة للمآلات، وربطٍ لتصرف الإمام بما يحقق الخيرَ العام للرعية.
لم يكن موقف العلماء المالكية في تلك اللحظة تبريراً لقرار سياسي جاهز، ولا انكفاءً على ظاهر الموروث، بل كان نظراً في حقيقة الواقع. فالقرآنُ جعل العتقَ باباً من أبواب البر والكفارات والتطهير، ووسّع مسالكَ التحرير، وضيّق أسباب الاسترقاق. فإذا تحوّل الرقُّ في واقع القرن التاسع عشر إلى سوق بشرية قائمة على الأخذ والقهر والبيع، فإن منطق الشريعة نفسه يقود إلى منعه، لا إلى إدامته.
ومن هنا يصبح القرار درساً في كيفية اشتغال الفقه حين يكون قريباً من الحياة، لا حبيساً في الصور المتوارثة. فالفقيه لا يحرس اللفظَ وحدَه، بل يحرس العدلَ الذي جاء اللفظُ لإقامته. والحاكم لا يكتفي بإعلان المقاصد، بل يحوّلها إلى نظام يحمي الناسَ من الاستغلال. وعندما يلتقي هذان المعنَيان، تنشأ سياسةٌ عامةٌ لا تتنكر للدين، ولا تترك المجتمع أسيرَ عادة فقدت معناها الشرعي والأخلاقي.
واللافتُ أن هذا القرارَ صدر سنة 1846، في وقت كانت فيه دولٌ كثيرةٌ، ومنها دولٌ أوروبيةٌ، لم تكن قد حسمت المسألةَ بصورة نهائية. ففرنسا، مثلاً، لم تلغِ الرِّق في مستعمراتها إلا سنة 1848. وليس المقصود من هذه المقارنة صناعةَ مفاخرة تاريخية، وإنما التنبيه إلى أن الإصلاح في المجال العربي والإسلامي لم يكن على الدوام تابعاً أو متأخراً، فقد عَرفَ لحظاتٍ استطاع فيها أن يتقدّم حين اجتمعت القيادةُ المسؤولة مع الاجتهاد الرصين.
إن درس الوثيقة يتجاوز جغرافيا المكان وزمن الواقعة. فهي تقول إن القواعد الكبرى في الفقه ليست محفوظاتٍ للدرس فقط، بل أدوات لبناء العمران وصون الإنسان. وتقول إن المصلحة العامة إذا ظهرت حجّتها، وانتفى وجه الإبقاء على الضرر، صار تحويلها إلى قانون من صميم وظيفة القيادة، ومن صميم رسالة العِلم.
ولهذا تبقى وثيقة 1846 ذات معنى متجدد، لأنها تعلِّمنا أن الإصلاح العميق لا يحتاج إلى خصومة مع الشريعة، بل إلى فهم أمين لها، وإلى قيادة تعرف أن كرامة الإنسان ليست شعاراً يُرفع، بل حقٌّ يُصان بنظام، وحكم يُتَرجَم في الواقع، ومصلحة تُقدّم حين تصبح العادة باباً من أبواب الظلم.
*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة
إقرأ المزيد


