أطفأت أنوارها باكراً
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

دائماً ما تعاودني اللحظات الجميلة التي عشتها خلال دراستي للماجستير في جامعة أدنبرة، تلك المدينة الثقافية بامتياز، والتي تتميّز بمتاحفها ومسارحها ومهرجاناتها الثقافية. في تلك الأيام، لم تكن وسائل الاتصال متاحة كما هي اليوم، وكانت رحلة البحث العلمي مليئةً بالتحديات، فمصادر المعرفة محدودة، والإنترنت في بداياته، والمكتبات -رغم غناها- تلتزم بساعات عمل صارمة. كثيراً ما كان البحث يتوقف قسراً مع إغلاق أبواب المكتبة، وكأن المعرفة نفسها تُطفئ أنوارها مع نهاية اليوم.

وفي وقتٍ متأخرٍ من إحدى الليالي، تلقيتُ اتصالاً من أحد الأصدقاء، وبنبرةٍ مبتهجةٍ قال: «لدي لك بشارة، تعال فوراً إلى الجامعة».

لم أفهم حينها مغزى الاستعجال، لكنني ذهبت، فأخذني إلى مكتبةٍ فرعيةٍ تابعةٍ للجامعة، صغيرةٍ في مساحتها، عظيمةٍ في أثرها، كانت تعمل على مدار الساعة، وتضم أجهزةً متصلةً بالإنترنت، وقواعد بياناتٍ إلكترونية، ومصادر بحثيةً لم تكن متاحةً لنا من قبل خارج ساعات الدراسة. كانت تلك المكتبة أشبه بهدية ثمينة في ذلك الوقت، كمن يحظى اليوم بجهازٍ ذكيٍ متطور، يفتح له آفاقاً لم يكن يتخيلها، في تلك اللحظة أدركت أن الوصول إلى المعرفة يختصر مسافات طويلة، ويمنح الباحث دفعة لا تُقدر بثمن.

هذه القصة تعود إلى سنواتٍ مضت، لكنها تحمل رسالةً مباشرةً إلى شباب اليوم، الذين يعيشون في زمنٍ مختلفٍ تماماً، زمنٍ تتوافر فيه ثلاثة عناصر مفصلية: أدواتُ اتصالٍ متقدمة، ووصولٌ غيرُ محدودٍ إلى المعلومة، ومصادرُ مفتوحةٌ ومتنوعةٌ بلغاتٍ وتخصصاتٍ لا حصر لها.

اليوم، لم يعُد البحثُ العلمي حبيسَ الجدران، ولا المعرفةُ رهينةَ الوقت أو المكان. أصبحتِ المعلومةُ متاحةً بمسحةِ شاشة، وأصبحت أدواتُ الذكاء الاصطناعي شريكاً داعماً للتعلم، والتحليل، والتطوير، إذا ما أُحسن استخدامها. وهنا تكمن المسؤولية، فهذه الفرص الهائلة ليست للترف المعرفي، بل للاستفادة، والبناء، والمساهمة الفاعلة في تنمية الوطن وصناعة مستقبله.

هل وقفنا لحظةً لنتأمّل لماذا يختار الشباب العربي، للسنة الثانية عشرة على التوالي، دولة الإمارات العربية المتحدة مكانهم المفضل للعيش؟ فتوافرُ المعرفة والمصادر وحده غيرُ كافٍ إذا لم يجدِ الشبابُ من يحتضنهم ويحفّزهم. فقد عملت الدولة على إنشاء منظومةٍ متكاملةٍ تحتضن طاقات الشباب، من خلال استقطاب جامعاتٍ رائدةٍ ومتقدمة، وإنشاءِ مجالسَ شبابية، ومراكزِ شبابٍ، ومؤسساتٍ مجتمعيةٍ توفّر بيئاتٍ محفزةً للتعلم والابتكار، وتفتح أمامهم آفاق القيادة وصنع القرار.

وهنا يبرز السؤال الأهم: في ظلّ هذه الوفرة من الإمكانات، ما الدور الذي ينتظرنا؟ الدور الحقيقي يبدأ من أنفسنا، بأن ندرك قيمة ما أُتيح لنا، وأن نحول المعرفة إلى عمل، والفرصة إلى إنجاز، والطموح إلى أثر، وأن يدفعنا انتماؤنا لهذا الوطن الغالي إلى الإسهام في مسيرة نهضته، والمشاركة في صناعة مستقبله، مستندين إلى العلم، ومتمسكين بالقيم، ومؤمنين بأن الاستثمار في الذات هو الطريق الأصدق لخدمة الوطن.

فالأمم لا تُبنى بالموارد وحدها، بل بعقول أبنائها، وإرادتهم، وقدرتهم على تحويل المعرفة إلى قيمة، وفتح أبواب مغلقة وإضاءة الطريق للبحث والتطور ونقل الأفكار إلى منجزاتٍ تترك أثراً يمتد للأجيال القادمة.

*باحث إماراتي
 



إقرأ المزيد