جريدة الإتحاد - 7/8/2026 10:50:03 PM - GMT (+4 )
لطالما كنتُ فخوراً بانتمائي لأوروبا، وأتبنّى رؤية عابرة للأطلسي. وأؤمن إيماناً راسخاً بأن أوروبا وأميركا الشمالية أقوى وأكثر ازدهاراً وأماناً بالتعاون معاً. ويُعد حلف شمال الأطلسي «الناتو» المنصة الوحيدة التي تجمع الولايات المتحدة وكندا وأوروبا لمعالجة القضايا الأكثر إلحاحاً التي تؤثّر على أمننا المشترك، كروسيا والإرهاب والتنافس مع الخصوم النظاميين ومصدِّري الفوضى. كما أنه يُشكِّل أساس التعاون الثنائي بين الولايات المتحدة والعديد من حلفائها، ما يُمكِّن أميركا من بسط نفوذها من قواعدها الأوروبية، بما يشمل دعم نحو 5000 طلعة جوية أميركية نُفذت بين فبراير وأبريل خلال عملية «الغضب الملحمي» في إيران.
وقد أثبت «الناتو» أنه تحالف ناجح وفعّال. لكن على مدار السنوات، ازداد القلق إزاء افتراض شائع مفاده أنه كلما استدعت الحاجة التدخل، فإن أكبر أصدقائنا وحلفائنا سيتولى توفير معظم القوة العسكرية وسيتحمل أيضاً معظم التكلفة المالية.
لكن الأوضاع اليوم قد تغيرت. فبينما نجتمع في القمة المنعقدة بالعاصمة التركية أنقرة، يُؤكد حلفاء أميركا بوضوح على تحوّل نهجهم. فالقوة الجماعية المتجددة، لا التبعيات غير الصحية، هي التي ستقود السلام والأمن والازدهار خلال السنوات القادمة.
وفي أنقرة، نبني للمستقبل من خلال ضمان امتلاك القوات والقدرات العسكرية التي نحتاجها، مع توزيع المسؤولية بشكل أكثر عدلاً. وسيظل الناتو دائماً تحالفاً عبر الأطلسي، ولكن من الضروري إعادة التوازن لمنظومة الأمن نحو الأفضل. إذ أن حلفاء أميركا يُعزّزون دورهم، وهذا هو «الناتو» على أرض الواقع: فأوروبا ستصبح أقوى عندما يصبح الناتو أقوى. وهذا التحول يجعلنا جميعاً أكثر أماناً، سواء الولايات المتحدة أو حلفاؤها.
ويفي حلفاء «الناتو» بالفعل بالالتزامات التي تم الاتفاق عليها في قمة لاهاي العام الماضي، ويقدّمون خططاً عملية وموثوقة حول كيفية استثمار 5% من الناتج المحلي الإجمالي في الدفاع بحلول عام 2035. ومن اللافت أنه بعد عام واحد فقط من هذا المشروع الذي يمتد لعشر سنوات، بدأ الحلفاء الأوروبيون وكندا بالفعل باستثمار نحو 4% من ناتجهم المحلي الإجمالي في الدفاع والأمن. وخلال العام الماضي، أنفق حلفاء أميركا في «الناتو» ما يقرب من 20% أكثر على الدفاع، مقارنة بالعام الذي سبقه. وباحتساب عامي 2025 و2026 مجتمعين، يصل هذا المبلغ إلى 258 مليار دولار إضافية، وهو ما يقارب الحد الأقصى للإنفاق الجديد الذي يمكن استيعابه خلال تلك الفترة الوجيزة، فيما يعد إنجازاً هائلاً، حيث يعتمد أمن مليار شخص على جانبي المحيط الأطلسي على زيادة استثمار أكبر وأفضل في قدرات الرَّدع والدفاع.
ولا شكّ أن التمويل عنصر أساسي، لكن لا يمكن إيقاف صاروخ أو دبابة بمجرد امتلاك الدولار أو اليورو. والخبر السار هو أننا نحوّل هذه الأموال إلى قدرات عسكرية جاهزة للقتال. كما تسهم هذه الاستثمارات الضخمة في إعادة تنشيط قاعدة الصناعات الدفاعية على جانبي المحيط الأطلسي.
ويُوسِّع الحلفاء تعاونهم وابتكاراتهم في قطاع الدفاع بوتيرة متسارعة، مستفيدين من التقنيات المتقدمة لإنتاج أفضل وأسرع في جميع أنحاء الحلف. فالقوة الصناعية والقوة العسكرية متلازمتان، لذلك نتعاون مع القطاع الصناعي على إنتاج وتجديد المعدات العسكرية بسرعة، بدءاً من الذخائر الأساسية، وصولاً إلى أنظمة الأسلحة المعقّدة والتقنيات المتطورة اللازمة لمواجهة التهديدات المتغيرة.
وبينما يجتمع القادة في أنقرة، سنُعلن عن عقود جديدة بعشرات المليارات من الدولارات مع شركات في أوروبا وأميركا الشمالية. كما سنُبين كيف نستثمر في التقنيات الأساسية لتلبية متطلبات الأمن الحالية والمستقبلية. فالقدرات المُطورة في جميع أنحاء حلف الناتو تُساهم في نمو الاقتصادات، وتعزيز تفوّقنا التكنولوجي، وخلق فرص عمل على جانبي المحيط. وتُساهم واردات الدفاع الأوروبية حالياً في دعم 195 ألف وظيفة أميركية، بقيمة 54 مليار دولار في عام 2025، مع وجود 300 مليار دولار أخرى قيد الإعداد. وسنُواصل هذا النّهج في أنقرة.
ولا يقتصر هذا المشروع على أعضاء «الناتو» وحدهم، إذ إن الشراكة المتنامية بين الصناعات الدفاعية الأوكرانية وقاعدتنا الصناعية الدفاعية تحقق فوائد للجميع، ولا سيما في مجال الطائرات المسيّرة وتقنيات التصدي لها. فقد أصبحت أوكرانيا من الدول الرائدة عالمياً في هذا المجال، بفضل الخبرات التي تكتسبها يومياً مع استمرار الحرب.
حلف «الناتو» لا يقف مكتوف الأيدي، ولن يتراجع، إذ إنه يتكيف ويتطور، مما يتطلب اتخاذ قرارات صعبة. وليس سراً أن أعضاء الحلف لا يتفقون دائماً في جميع القضايا، لكنني أؤمن دائماً بأن الحوار الصريح والمفتوح يمثّل مصدر قوة لا نقطة ضعف، فهو يشكِّل جوهر الأنظمة الديمقراطية التي نتمسك بها جميعاً. ونتحلّى بالثقة لتقبل اختلافاتنا ثم تجاوزها أكثر قوة. وفي قمة أنقرة، نبرهن كيف نستثمر في الدفاع، ونعيد تحقيق التوازن في منظومة أمننا، ونعزّز قدراتنا الصناعية، حتى نتمكن من الحفاظ على أمننا في عالم يزداد خطورة.
*أمين عام «الناتو» وتولى رئاسة وزراء هولندا لأكثر من ثلاثة عشر عاماً.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


