ليبيا وفرصة المبادرة الأميركية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

تعود الولايات المتحدة إلى الملف الليبي هذه المرة من بوابة أكثر واقعية. فالمبادرة التي يقودها مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، لا تنطلق من تصورات نظرية، وإنما من قراءة لموازين القوة القائمة شرقاً وغرباً. وبعد سنوات من المبادرات التي تعثّرت عند حدود البيانات وخرائط الطريق الانتقالية، تبدو المقاربة الأميركية أقرب إلى اختبار عملي لقدرة الليبيين على تحويل نفوذ الأمر الواقع إلى سُلطة موحّدة ومؤسسات قابلة للعمل.
تُدرك واشنطن أن أي تسوية تستبعد معسكري خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي، وعبدالحميد الدبيبة، رئيس حكومة الوحدة الوطنية، ستبقى محدودةَ الأثر. فهذان الطرفان يمثّلان اليوم الكتلتين الأكثر تأثيراً في المعادلة الليبية، سياسياً وأمنياً واقتصادياً.
 لذا تبدو المبادرةُ الأميركية محاولةً لبناء تفاهم بين الأطراف القادرة على ضبط المسار أو تعطيله، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام مسار أوسع تدعمه الأممُ المتحدةُ ويَقود في نهايته إلى انتخابات ومؤسسات أكثر استقراراً.تملك المبادرةُ نقاطَ قوة ملموسة، حيث نجحت الوساطةُ الأميركيةُ في الدفع نحو ميزانية موحّدة، وفتحت قنواتٍ أمنيةً بين الشرق والغرب، وأعادت الحديثَ عن توحيد المؤسسات العسكرية والاقتصادية والسياسية. وهذه ملفات بقيتْ لسنوات طويلة رهينة الانقسام. وإذا جرى البناءُ عليها بهدوء، فقد تتحول من خطوات عملية إلى مدخل سياسي ينقل ليبيا من إدارة الأزمة إلى تفكيك أسبابها.
وتتجاوز أهميةُ المبادرة الداخلَ الليبي. فليبيا ليست ساحةً داخليةً مغلقة، وإنما دولةٌ نفطيةٌ تطل على المتوسط، وتملك موقعاً استراتيجياً يمكن أن يجعلها جسراً اقتصادياً بين أفريقيا وأوروبا. واستقرارها ينعكس على إنتاج النفط والغاز، وضبط الحدود، وفرص إعادة الإعمار. لذا يصبح توحيد المؤسسات شرطاً للتنمية وجزءاً من أي تسوية قابلة للاستمرار.
 كما أن أي مسار جاد لتوحيد البلاد سيقود بالضرورة إلى انحسار نفوذ القوى التي وَجدت في الفوضى بيئةً مناسبة للتمدد. لقد استفاد تنظيم «الإخوان» وتيارات الإسلام السياسي طويلاً من الانقسام، ومِن تعدُّد مراكز القرار، ومِن بقاء السلاح خارج السلطة الرسمية. ومع صعود مقاربة تربط السياسةَ بالأمن والاقتصاد، تصبح مساحة المناورة أمام هذه التيارات أضيق، لأنه حين تستعيد الدولةُ أدواتِها تَقِلُّ قدرةُ الجماعات المنظمة على تعطيل المسار الوطني.
وتقوم المقاربةُ الإماراتيةُ تجاه هذا المسار على دور مساند يحترم الإرادة الليبية. فقد حافظت دولةُ الإمارات على علاقات مؤثّرة مع القوى الليبية الفاعلة في الشرق والغرب، وانطلقت من رؤية ثابتة تدعم الاستقرارَ ووحدةَ المؤسسات والتنميةَ والازدهارَ ورفضَ الفوضى. وزيارة الدبيبة الأخيرة إلى الإمارات، بالتوازي مع الحراك الأميركي، تعكس أهميةَ القنوات الإقليمية القادرة على تقريب وجهات النظر ودعم تسوية تُنهي الانقسامَ.
 وتتحدث تقاريرٌ حديثةٌ عن دخول باكستان على خط الاتصالات المحيطة بالجهد الأميركي. فإسلام آباد، بما تملكه من قنوات مع الطرفين، قد تساعد في تثبيت ما يتم التوصل إليه إذا تقدّمت المشاورات. وتبقى قيمةُ هذا الدور مرتبطةً بقدرته على دعم مسار ليبي محدد، بدلاً من إضافة وسيط جديد إلى ملف مزدحم بالقنوات والتحركات.
 ويبقى التحدي في تحويل التفاهم بين مراكز القوة إلى مشروع دولة وطنية. فتقاسم النفوذ قد يخفف التوترَ مؤقتاً، لكنه يحتاج إلى ضوابط ملزمة، ومؤسسات سيادية موحَّدة، وإدارة شفافة للثروة، ومسار سياسي يمنع بقاءَ المرحلة الانتقالية مفتوحةً. ويقاس نجاحُ المبادرة بقدرتها على إنتاج سلطة تعمل باسم الدولة الليبية، بعيداً عن أي توازنات هشَّة.
ليبيا لا تحتاج إلى إعادة تدوير تجارب فشلت منذ عام 2011، ولا إلى مبادرة تتجاهل الواقع. وبين المثاليات التي لم تصمد والواقعية التي قد تنجح، تمنح المبادرةُ الأميركيةُ فرصةً تستحق الدعم. فإذا ساعدت على إنهاء الازدواج المؤسسي، وحصر السلاح، وتقليص نفوذ قوى الفوضى، فقد تكون بدايةً إيجابيةً لمسار يقود ليبيا إلى دولة وطنية موحّدة ومستقرّة وقادرة على الازدهار.


*كاتب إماراتي



إقرأ المزيد