جريدة الإتحاد - 7/8/2026 11:33:53 PM - GMT (+4 )
خَتَمنا الحديثَ السابق بسؤالٍ معلَّق في الأفق: أينَ يُصاغُ الفكرُ وتُغرسُ بذورُه الأولى؟ والجوابُ يقودُنا إلى المكانِ الذي يولدُ فيه الوعيُ ويُصقَل، حيثُ تُحرَث العقول كما تُحرَث الأرضُ استعداداً للبذور. ثمّةَ مؤسّسات بعينها نهضت عبرَ التاريخِ بهذا العبءِ الجليل، فكانت مَعقِل الحكمةِ ومَشتَل الأفكار، ومنها انبثقت النهضاتُ حينَ أحسنت أداءَ رسالتها. والنهوضُ المعاصر استئنافٌ لهذه الرسالة بعدَ انقطاع، وإعادةُ الاعتبار لمَوضع صناعةِ العقول.
تتفاوت الجامعات في رسالتها تفاوتَ المنابعِ في عطائها، فمنها ما يكتفي بنقلِ المعارف المستقرّة وتلقينها للأجيال، ومنها ما يرتقي إلى توليد المعرفةِ وإبداعها. الجامعةُ الحيّة مصنعٌ للأسئلةِ قبلَ أن تكونَ مخزناً للأجوبة، ومختبرٌ تُولَدُ فيه الأفكارُ وتُختبَر على محكِّ النقد. ومتى تحوّلت الجامعةُ إلى مستودعٍ للحفظِ والاستظهار، فقدت روحَها التي تميّزها، وغدت ظلّاً باهتاً لرسالتها الأصيلة. ومن رحمِ هذا الفارقِ تتحدّدُ مكانةُ الأممِ في موازينِ الحضارة، فالسابقةُ مَن تصنعُ معرفتَها، والتابعةُ مَن تكتفي باستهلاكِ ما يصنعُه سواها.
يقتضي هذا المسعى أن نغرسَ بذرةَ التفلسُف في تربةِ الطفولةِ المبكّرة، قبلَ أن تشتدَّ ساقُها في الجامعة. فالطفل فيلسوفٌ بالفطرة، يدهشُ ويسألُ ويُطاردُ العللَ بشغفٍ بريء، حتى يأتيَ تعليمٌ يطفئُ دهشتَه ويُروّض فضولَه على الصمت. تدريسُ الفلسفةِ في المدارسِ يصونُ هذه الجذوةَ من الانطفاء، ويُعلّمُ الناشئةَ فنَّ السؤالِ ومهارةَ التمييز، ويُربّي فيهم عقلاً نقديّاً يحرسُهم لاحقاً من الوقوعِ في أَسرِ الخرافةِ والتطرّف. وأمّةٌ تُؤجّلُ الفلسفةَ إلى المدرّجاتِ الجامعيةِ تُفرّط في أخصب سنواتِ التكوين.
يتّصلُ بهذا الغرسِ المبكِّرِ ضرورةُ إحياءِ النقدِ والمنطقِ في صُلبِ التعليمِ الجامعيّ، بعدَ أن تواريا حيناً خلفَ ركامِ التلقين. المنطقُ نحوُ العقلِ الذي يضبطُ خطواتِه ويُقوّمُ استدلالَه، وتراثُنا العربيُّ والإسلاميُّ زخرَ به حتى صارَ علماً قائماً بذاته على أيدي الفارابيِّ ومن خلفَه. والنقدُ ملَكةٌ تُميّزُ الغثَّ من السمين، وتزنُ الدعاوى بميزانِ البرهان، وتُحصّنُ العقلَ من الانقيادِ الأعمى. فالمنطقُ والنقد جناحانِ يطيرُ بهما العقلُ في سماءِ المعرفة، يَهوي بفقدِ أحدِهما، ويُحلّقُ باجتماعهما. وجامعةٌ تُخرّجُ حَفَظةً للمتون قد تصنعُ موظّفين، أما جامعةٌ تُخرّجُ نُقّاداً مُستدلّين تصنعُ مفكّرين.
تنزلُ الفكرةُ من بُرجِها العاجيِّ حينَ تجدُ في مراكزِ الفكرِ جسراً يصلُها بالواقعِ وصُنّاعِ القرار. هذه المراكزُ تترجمُ التأمّلَ النظريَّ إلى رؤىً عمليّةٍ تخدمُ الدولةَ والمجتمع، وتمدُّ السياساتِ بعمقٍ معرفيٍّ يقيها التخبّط. ولقد ظلّت الفكرةُ النظريّةُ معزولةً عن الفعلِ في عالمنا العربي زمناً طويلاً، حتى أتى في بعضها عدداً من مراكزُ الفكرِ فردمت الهوّةَ بينهما، وأعادت للعقلِ مكانه في تدبيرِ الشأنِ العام. ومتى تضافرت الجامعةُ المنتِجةُ معَ مركزِ الفكرِ الموجِّه، اكتملت دورةُ المعرفةِ من السؤالِ النظريِّ إلى الأثرِ الملموس، فتستعيدُ الفلسفةُ حضورَها في قلبِ الحياةِ العامّة، شريكةً في بناءِ الوطنِ وصياغةِ مستقبله.
تزدهرُ هذه المؤسّساتُ جميعاً في مناخٍ واحد قوامُه الحرية الأكاديمية المسؤولة، فالفكرُ يختنقُ في أجواءِ الوصايةِ ويتنفّسُ في فضاءِ الحرية. وحريّةُ البحثِ المنضبطةُ بقيمِ المجتمعِ تُطلِقُ طاقةَ الإبداعِ دونَ أن تُفرّطَ في المبادئ. وهنا يبرزُ دورُ الدولةِ الوطنيةِ الراعية، إذ توفّرُ للعقلِ حاضنتَه المؤسّسيةَ التي افتقدها قديماً، فضاعت جهودُ أفرادٍ نوابغَ لغيابِ مؤسّسةٍ تحملُها وتُراكمُ عليها. رعايةُ الفكرِ في جوهرها استثمارٌ في مناعةِ الوطنِ ونهضته.
يتبيّن ممّا تقدّمَ أنّ الفكرَ كائنٌ حيٌّ يطلبُ مهداً يرعاه ومناخاً يُنميه: مدرسةٌ تغرسُ الدهشة، وجامعةٌ تصقلُ العقل، ومركزُ فكرٍ يُثمرُ الرؤى، ودولةٌ تظلّلُ ذلك كلَّه برعايتها. ومتى توافرت هذه الحلقاتُ وتعاضدت، صارَ إنتاجُ المعرفةِ تقليداً راسخاً يتوارثُه الخلَفُ عن السلف. يبقى بعدَ أن يستوي للأمّةِ فكرُها المنتَجُ سؤالٌ يفرضُ نفسَه: كيفَ تنفتحُ على معارفِ العالمِ وتتحاورُ معها أخذاً وعطاءً؟ ذلكَ ما يُفضي بنا إلى رحابِ الترجمةِ وحوارِ الحضارات، موعدِنا في الحديثِ المقبل.
*كاتب إماراتي
إقرأ المزيد


