جريدة الإتحاد - 7/9/2026 12:00:58 AM - GMT (+4 )
لولا آلاف الهايتيين الذين استقروا في سبرينغفيلد بولاية أوهايو، لواجهت المدينةُ مصيرَ الكثير من المدن والبلدات الصغيرة التي شهدت انكماشاً ملحوظاً. لكن وجودهم ساهم في افتتاح شركات جديدة وانتعاش الأحياء السكنية. غير أن ذلك قد لا يدوم، وإذا سارت الأمورُ وفقاً لرغبة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فستشهد سبرينغفيلد، في المستقبل القريب، تدهوراً جديداً، شأنها شأن أغلب الريف الأميركي.
وكانت المحكمة العليا الأميركية قد قضت بأنه يحق لترامب إنهاء برنامج «الحماية المؤقتة»، الذي يسمح لأكثر من مليون شخص فروا من أوضاع صعبة في نحو 12 دولة بالإقامة والعمل في الولايات المتحدة.
ويرجح أن يكون أول المُرحلين نحو 330 ألف هايتي، بينهم 12 ألفاً يعيشون في سبرينغفيلد، ونحو 6 آلاف سوري. يليهم القادمون من أفغانستان والصومال وجنوب السودان والسلفادور.
وهدّد وزيرُ الأمن الداخلي، ماركواين مولين، باعتقال مَن فقدوا وضعَهم القانوني إذا لم يغادروا البلاد طوعاً، مؤكداً أن «مهلتهم انتهت».
ويزعم متشددون في قضايا الهجرة بالحزب الجمهوري أن الوافدين من «دول العالم الثالث» يدمرون أميركا، بينما هاجم ستيفن ميلر قراراً للمحكمة العليا أكد أن التعديل الـ14 يمنح الجنسيةَ لكل مَن يولد على الأراضي الأميركية، حتى ولو كان والداه مهاجرين غير موثّقين، واعتبر أن ذلك الحكم يصدر عن تفسير خاطئ للدستور.
لكن البيانات تشير إلى أن المهاجرين، بمختلف أعراقهم وأصولهم، لا يدمرون أميركا، بل يسهمون في ازدهارها، لاسيما البلدات الريفية الصغيرة التي تُعد من أبرز معاقل مؤيدي شعار «لنجعل أميركا عظيمةً مجدداً».
وقد أدت حملة إدارة ترامب الشرسة على الهجرة غير الشرعية، إلى تفاقم تباطؤ النمو السكاني في الولايات المتحدة، في ظل انخفاض معدلات المواليد بين الأميركيين الأصليين. وبعد توقعات الخبراء بتراجع عدد السكان لأول مرة، باتوا يرجحون حدوث ذلك العام الجاري.
وقد يخلِّف ذلك آثاراً اقتصاديةً كارثيةً، من نقص الشباب إلى شغور وظائف وتراجع الإيرادات الضريبية اللازمة لتمويل برامج دعم كبار السن. كما يُتوقع أن ينفد صندوق الضمان الاجتماعي للتقاعد قبل الوقت المتوقع.
وتتضح تلك التداعيات بشكل أكثر حدةً في الريف الأميركي، الذي يضم نسبة أكبر من كبار السن والمرضى. فبين عامي 2010 و2020، تراجع عددُ سكان نحو 2000 مقاطعة ريفية للمرة الأولى بسبب الوفيات وزيادة أعداد المغادرين. ورغم أن بعض المقاطعات الريفية شهدت في الآونة الأخيرة انتعاشاً في النمو الديموغرافي، إلا أن هذا التعافي المؤقت اقتصرَ على نحو نصفها.
وتعتبر غالبية تلك البيانات مجرد أرقام، لكن في حالة سبرينغفيلد، تَظهر تداعياتٌ حقيقية، إذ تشهد المدينةُ ما يطلق عليها أول عملية «إلغاء جماعي للوثائق» للمهاجرين في التاريخ الأميركي الحديث.
وبدأ الهايتيون بالاستقرار في سبرينغفيلد قبل أكثر من عقد لشغل وظائف شاغرة، ثم تزايدت أعدادُهم بشكل كبير منذ عام 2020. ومع مرور الوقت، وأصبحوا جزءاً من المدينة، فاشتروا المنازلَ ورمموها، وافتتحوا كنائسَ، وسجلوا أبناءَهم في المدارس، كما ساعدوا في إنعاش مدينة كانت تعاني من تدهور حاد بعدما فقدت أكثر من ربع سكانها ومعظم نشاطها الاقتصادي عقِب تراجعها الصناعي بدايةً من ستينيات القرن الماضي.
وشهدت المدينةُ بعضَ المشكلات المؤقتة، مثل الازدحام في المدارس والمستشفيات، إضافة إلى تزايد الحوادث المرورية. لكن حملة ترامب دفعت معظم سكان سبرينغفيلد «الجمهوريين» إلى الاحتجاج ورفض المزاعم اليمينية.وإذا نفذت الإدارةُ خطةَ ترحيل الهايتيين، فلن تقتصر الخسائر على فقدان الجيران والأصدقاء، إذ تتوقع مقاطعة كلارك المجاورة لسبرينغفيلد انخفاضَ الإنفاق السنوي بنحو 300 مليون دولار، مع خسائر اقتصادية قد تتجاوز 400 مليون دولار.
ويرى «الجمهوريون» أن برنامج الحماية المؤقتة تحول عملياً إلى إقامة دائمة بسبب تجديد تصاريحه باستمرار، لكن ذلك ينبغي أن يدفعهم إلى التعاون مع «الديمقراطيين» لإصلاح نظام الهجرة، لا إلى ترحيل المهاجرين على حساب الاقتصاد الأميركي.
كما قد تواجه إدارة ترامب مخاطر سياسية، إذ إن حملتها المكثّفة للترحيل، والتي احتجزت خلالها أكثر من 10 آلاف شخص خلال أسبوع واحد، قد تحول سبرينغفيلد إلى قضية سياسية جديدة تشبه مينيابوليس.
وقد أخبر سكانُ أوهايو الصحفيين بأنهم يعتزمون الدفاع عن المقيمين الهايتيين، سواء بمحاولة إخفائهم أو برعاية أطفالهم المولودين في البلاد إذا تم ترحيلهم بالفعل. وقال بعضُ سكان إنديانا إنهم مستعدون لفعل الشيء نفسه، إذ إن آلاف الهايتيين أسهموا أيضاً في إنعاش مدينة لوغانسبورت، بينما استقر آلاف الأفغان في مونسي، ويقر أصحابُ شركاتٍ بأن وجود المهاجرين أنقذ أعمالهم.ومع احتفال الولايات المتحدة بالذكرى الـ250 لتأسيسها، قد يقدم ترامب حملتَه المتصاعدةَ ضد المهاجرين بوصفها انتصاراً سياسياً لشعاراً «أميركا أولاً»، لكن تحويل دولة تنمو بفضل المهاجرين إلى دولة يتراجع عدد سكانها ويغلب عليها كبار السن لا يُعد انتصاراً، لا للاقتصاد الأميركي ولا للريف الأميركي، وسبرينغفيلد خير دليل على ذلك.
إقرأ المزيد


