فنّ تقبّل الهزيمة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

ليس أصعب على الإنسان من أن يعترف بأنه خسر. فمنذ خطواته الأولى في الحياة، تعلمنا جميعاً أن المجد لا يسكن إلا قمة المنصة، وأن المركز الأول هو المعيار الوحيد للاستحقاق، وأن كل ما دونه مجرد إخفاق ينبغي إخفاؤه أو تبريره. هكذا كبرنا تحت سطوة ثقافة تمجّد الانتصار وتُشيطن الهزيمة، حتى يغدو التعثر مرادفاً للعار، والخسارة وكأنها نهاية الحكاية لا فصلاً من فصولها.
لكن الحياة لا تسير بمنطق الشعارات، ولا تخضع لقوانين الأمنيات. فهي لا تُبنى على انتصارات متصلة، بل على تعاقب مستمر بين النجاح والإخفاق، وبين القوة والضعف، وبين الصعود والتراجع، بين المرض والصحة، بين الحياة والموت. ولعل الحقيقة التي تغيب عن كثيرين هي أن الهزيمة ليست النقيض الحقيقي للنجاح، وإنما التربة التي تنبت فيها بذوره، والمختبر الذي تُصقل فيه الخبرة، والمرآة التي يرى فيها الإنسان ذاته كما هي، لا كما يحب أن يراها. وأننا غالباً من نتعلم من الفشل أكثر مما نتعلم من النجاح.

يؤكد واقعنا أن أغلب الناس يعجزون عن النظر إلى الهزيمة بهذه العين. فما إن يخسروا حتى يشرعوا في نسج الروايات التي تعفيهم من مواجهة أنفسهم. تصبح الظروف هي المتهم الأول، ثم يتحول الآخرون إلى سبب لكل إخفاق، وقد يبلغ الأمر حد الاعتقاد بأن العالم كله يتآمر عليهم. إنها رحلة طويلة من الهروب، لكنها لا تنتهي أبدًا عند الحقيقة.
وفي جوهر هذا السلوك يكمن تضخم الأنا، وغياب التواضع الذي يجعل الإنسان يدرك أنه كائن محدود، يصيب كما يخطئ، ويعلو كما يتعثر. فالاعتراف بالهزيمة ليس اعترافاً بالعجز، وإنما اعتراف بالطبيعة البشرية نفسها. ولهذا رأى الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر أن الإنسان يفقد أصالته عندما يتنصل من مسؤوليته ويلقي بأسباب فشله على العالم من حوله. ففي تلك اللحظة لا يواجه الواقع، بل يصنع لنفسه واقعاً وهمياً يحمي صورته عن نفسه، بينما يحرمه في الوقت ذاته من فرصة التغيير.
ومن زاوية أخرى، يفسر علم النفس هذا الرفض بوصفه إحدى آليات الدفاع عن الذات. فالعقلية الجامدة تنظر إلى الهزيمة على أنها حكم نهائي على قيمة الإنسان، ولذلك تقاومها بالإنكار والتبرير، خشية أن تتصدع صورتها الداخلية. أما العقلية الناضجة، فتدرك أن الخسارة ليست إلا معلومة جديدة، وأن الفشل ليس نهاية الطريق، بل إشارة إلى أن الطريق يحتاج إلى مراجعة. ولذلك فإنها تستقبل الهزيمة كما يستقبل العالم نتيجة تجربة لم تحقق غايتها. إنه لا يلعن التجربة، بل يعيدها بصورة أفضل.

ولم يكن التاريخ يوماً بخيلاً بالأمثلة. ففي معركة واترلو، لم يسقط نابليون بونابرت لأنه افتقر إلى العبقرية العسكرية، وإنما لأن ثقته المطلقة بنفسه حجبت عنه رؤية الواقع كما هو. لقد رفض احتمال الهزيمة، وتأخر في اتخاذ القرار الذي كان يمكن أن يحفظ ما تبقى من قوته، رفض الانسحاب، فكانت النهاية سقوط إمبراطورية بأكملها. لم تكن الهزيمة العسكرية وحدها هي التي أسقطته، بل عجزه عن الاعتراف بإمكان وقوعها.
وتتكرر الصورة في عالم الاقتصاد. فقد وقفت شركة كودك Kodak أمام الثورة الرقمية بعقلية المنتصر الذي يظن أن الزمن سيظل وفياً له. تجاهلت الإشارات، واعتبرت التحول التقني موجة عابرة، حتى وجدت نفسها خارج المشهد الذي كانت تتصدره يوماً. بينما نجحت شركات أخرى لأنها امتلكت شجاعة الاعتراف بأن معركة قد انتهت، وأن البقاء يقتضي خوض معركة جديدة بأدوات مختلفة.
وفي المقابل، يقف توماس إديسون شاهداً على الوجه الآخر للهزيمة. فعندما سُئل عن آلاف المحاولات التي سبقت اختراعه للمصباح الكهربائي، لم ير فيها سجلاً للفشل، وإنما سجلاً للمعرفة. قال عبارته الشهيرة: «أنا لم أفشل، بل وجدت عشرة آلاف طريقة لا تعمل». لم تكن تلك مجرد عبارة ملهمة، بل كانت فلسفة كاملة في النظر إلى التجربة الإنسانية. فكل محاولة لا تحقق هدفها تضيف إلى المعرفة ما يجعل المحاولة التالية أكثر اقتراباً من النجاح. كما يقدم لنا قطاع الطيران التطبيق الأكثر نضجاً لهذا المبدأ. فحين تقع كارثة، لا تُدفن الأخطاء تحت ركام الأعذار، ولا يُكتفى بتعزية الضحايا، بل يبدأ التحقيق من حيث انتهى الحادث. تُستخرج بيانات «الصندوق الأسود»، وتُفكك التفاصيل، وتُراجع الإجراءات، لأن الغاية ليست البحث عن مذنب فحسب، وإنما منع تكرار الخطأ. وهكذا تتحول المآسي المتكررة إلى دروس تراكمية جعلت الطيران اليوم من أكثر وسائل النقل أمانًا في العالم.

إن الإنسان لا يتعلم من الهزيمة إلا إذا امتلك شجاعة الاعتراف بها. أما من يصر على الاحتماء بالأعذار، فإنه لا يؤجل الفشل فحسب، بل يمد في عمره. فكل تبرير يُغلق باباً من أبواب المراجعة، وكل إنكار يؤجل لحظة النضج. 
نؤكد هنا أن فن تقبّل الهزيمة لا يعني الرضا بالضعف، ولا التسليم بالواقع، وإنما يعني امتلاك الجرأة الكافية للنظر إلى الذات بصدق، والقدرة على قول: لقد أخطأت، وقد خسرت هذه الجولة، لكنني عرفت موضع الخلل، وسأعود بعد أن أصلحه. فالإنسان لا يُقاس بعدد انتصاراته، بل بقدرته على النهوض بعد انكساراته.
فكما لا يخرج الذهب خالصاً إلا بعد أن يمتحنه اللهب، ولا يُصقل السيف إلا تحت قسوة النار وضربات المطرقة، كذلك النفوس الكبيرة لا تولد مكتملة، وإنما تُعيد الهزائم تشكيلها، وتمنحها من الحكمة ما لا تمنحه الانتصارات السهلة. ولهذا فإن الاعتراف بالهزيمة ليس إعلاناً بالسقوط، بل هو أول إعلان حقيقي عن بداية النهوض، لأنه تعبير عن شجاعة العقل في أن يرى الواقع كما هو، لا كما تصنعه الأوهام، وعن إيمان راسخ بأن كل هزيمة تحمل في أعماقها بذرة انتصار قادم.



إقرأ المزيد