جريدة الإتحاد - 7/9/2026 10:08:56 PM - GMT (+4 )
قدمت مارين لوبان ونايجل فاراج، وهما من أبرز الشخصيات الشعبوية اليمينية المثيرة للجدل في فرنسا وبريطانيا، مناشدات علنية في اللحظات الأخيرة لإنقاذ مسيرتهما السياسية، وسط فضائح تمويلية، بعدما قادا حزبيهما اليمينيين المتشددين إلى تسجيل تقدم غير مسبوق في استطلاعات الرأي.
وقد لا تنجح هذه المحاولات، لكنها تكشف الكثيرَ عن سياسة لعب دور الضحية التي برزت في عهد دونالد ترامب ومرحلة ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
وفي غضون ساعات قليلة من بعضهما البعض، الثلاثاء الماضي، أصر الاثنان على أنهما لم يرتكبا أي خطأ رغم تورطهما في قضايا مالية مشبوهة، ودعا كل منهما الناخبين إلى دعمه ضد خصومه وعلى رأسهم المؤسسات الحاكمة. وصرحت لوبان بأنها ستترشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية العام المقبل، مؤكدةً نزاهتَها رغم تأييد حكم إدانتها بإساءة استخدام الأموال العامة. أما فاراج، الذي يرغب في الاستقالة والترشح مجدداً لمقعده البرلماني، فوصف التحقيقَ الدقيقَ في الهدايا التي تلقاها من شخص مدان جنائياً بأنه مجرد «أداة سياسية».
وجاء تزامن تصريحات لوبان وفاراج من قبيل الصدفة، لكن الدوافع السياسية الخفية ليست كذلك. فقد استغل حزب التجمع الوطني بزعامة لوبان وحزب الإصلاح في المملكة المتحدة بقيادة فاراج مخاوف الناخبين من الأوبئة والحروب والهجرة الجماعية، ليحصلا على تأييد بأكثر من 25% في استطلاعات الرأي، في وقت تتراجع فيه ثقة الرأي العام بالمؤسسات، بما فيها السلطة القضائية.
وبينما اشتعل غضب فاراج وادعى تعرضَّه لهجوم من «حشد غاضب»، انشغلت لوبان بمناقشة تفاصيل دقيقة حول إمكانية تجنب ارتداء سوار إلكتروني عبر استئناف قانوني آخر، فيما يمكن اعتباره تجسيداً للشعبوية في جوهرها. فمن شعار حملة ترامب «أوقفوا سرقة الانتخابات» إلى كتاب «يوميات سجين» للرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، أصبحت سياسة المظلومية، القائمة على شكاوى غير مبررة، رائجةً بقوة ومسيطرةً على الأحزاب والسياسات.
وترى كاثرين فيشي، مؤلفة كتاب «حكم الشعبويين»، أن لوبان وفاراج يراهنان على تسخير الديمقراطية لصالحهما وتجاوز المؤسسات وسيادة القانون. ورغم اختلاف الحالتين، إذ تتعلق قضية فاراج بهدايا قيمتها 5 ملايين جنيه إسترليني لم يُفصح عنها، بينما تتعلق قضية لوبان بتمويل غير قانوني لحزبها في البرلمان الأوروبي، فإن كليهما يسعى إلى تجنب الإطاحة به من قبل السلطات أو منافسين داخل اليمين المتشدد نفسه.
لكن هناك تساؤلُ حول قدرتهما على تحويل تقدمهما في استطلاعات الرأي إلى نجاح سياسي دائم. ففي حالة فاراج، لن يواجه منافساً في دائرته الانتخابية، لأن خصومه لا يريدون إضفاءَ المصداقية على محاولته الظهورَ بمظهر «ضحية النخبة»، على غرار ترامب. وهناك مؤشرات على تراجع حماس الناخبين له، حتى في دائرته التي تعد من أبرز معاقل حزب الإصلاح.
أما في فرنسا، فستخوض لوبان انتخابات 2027 في محاولتها الرابعة للوصول إلى الرئاسة، بعد سلسلة من الإخفاقات والتراجعات السياسية، مثل الدعوة إلى الخروج من منطقة اليورو وغيرها. وكانت تستعد لتسليم قيادة الحزب إلى جوردان بارديلا، الذي كان يأمل قيادة التجمع الوطني نحو توجه اقتصادي أكثر يمينية وانفتاحاً على قطاع الأعمال. كما التقى بارديلا مع فاراج في ديسمبر الماضي ضمن مساعٍ لتشكيل تحالف أوروبي يضم أحزاباً مقربةً من حركة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً».
ورغم أن الأوساط الوسطية كانت ترى بارديلا منافساً تسهُل هزيمته، يأمل بعض منافسي حزب التجمع الوطني بأن يصعِّب استمرارُ لوبان على الحزب استقطابَ حلفاء من قطاع الأعمال واليمين المعتدل. ويجمع برنامج الحزب بين التشدد تجاه الهجرة ودعم دولة الرفاه، ومن أبرز وعوده خفض سن التقاعد إلى 62 عاماً.
ومع ذلك، لا ينبغي للسياسيين التقليديين أن يحتفلوا قبل الأوان، فالساحة الرئاسية مُشتتة ومفتوحة، إذ يحظى جان لوك ميلانشون، الذي يمثل نهجاً يسارياً متشدداً، بنسبة تأييد في استطلاعات الرأي مماثلة لتلك التي يحظى بها رئيس الوزراء السابق إدوار فيليب (يمين). ولا يمكن استبعاد جولة إعادة بين أقصى اليسار وأقصى اليمين. حتى لو لم يعتقد أغلب الفرنسيين أن معاملة القضاء للوبان كانت متحيزة، فإن شعبيتها في استطلاعات الرأي تبدو راسخة.
ويواجه كل من لوبان وفاراج ضغوطاً كبيرةً ويخوضان رهاناتٍ محفوفةً بالمخاطر. وستؤثر نتائج ملفيهما القضائيين في قدرتهما على كسب تأييد الناخبين الأكثر استقلاليةً، والذين يحتاجان إلى أصواتهم للفوز. لكن سياسة دور الضحية أوسع ويصعب محو آثارها، فالاستقطاب السياسي وتشتت وسائل الإعلام، اللذان يغذيهما المتصيدون الإلكترونيون من أصحاب المليارات في مجال التكنولوجيا في أميركا، يُؤججان الشكوك حول جدوى النظام الديمقراطي. وسيستمر هذا الوضع لفترة أطول حتى بعد صدور الأحكام القضائية.
*كاتب متخصص في الشؤون الأوروبية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


