جريدة الإتحاد - 7/9/2026 11:52:11 PM - GMT (+4 )
تعتبر الفَنْقَلة من التّقنيات المنهجية التي يُلجأ إليها في مناهج البحث والمناظرة، وهي تقنية قديمة مرتبطة بالشّرط الإنساني في الحوار والإقناع، ولكنها بلغت، في الأدبيات الإسلامية، شأوا من النضج لكثرة الفزع إليها لتقرير حجج الخصوم والرد عليها والنيل من دعاويها بعد مزيد تمحيص ونقد ووقوف على الثغرات. ويعتبر سيبويه أول من كثّف الفنقلة في النّحو، كما استخدمها الطبري في تفسيره، وأكثر منها الغزالي في «المستصفى» خاصة في مناظرته مع المعتزلة. وهدم الغزالي عشرون مسألة ميتافيزقية للفلاسفة، في كتابه «تهافت الفلاسفة» كلها بالفنقلة. وقد رد عليه ابن رشد بنفس الأسلوب. لكن اعتُبر ابن هشام صاحب «المغنى اللبيب من كتب الأعاريب» «إمام الفنقلة»، حيث إنه استخدمها في كل صفحة من كتابه من أجل الرد على الاعتراضات التي تواجهه.
والفنقلة في اللغة بمعنى القفز، من مادة [ ف ن ق ل] بمعنى الوثبة والانتقال السريع، يقال: تفنقل، أي قفز وانتقل من مكان إلى مكان، لكنها في كتب النحو والتفسير والفقه والفلسفة يقصد بها أسلوب خاص في الحجاج والتعليم. تتخذ الفنقلة صورا متعددة، أبرزها «فإن قيل كذا قلنا كذا»، «فإذا قيل.. قلنا»، «قيل... قلنا»، «ولقائل أن يقول»، فإن «قلتَ.. قلتُ»، «فإن قال قائل»، «فإن سأل سائل فجوابه». ومن هنا سميت فنقلة لجذرها اللغوي، حيثُ القفزة من سؤال إلى جواب إلى سؤال. والجواب يكون بصور متعددة أيضاً:«قولنا»، «ونقول»، «وسلّمنا ولا نُسلم». وهي تكون إما واقعية لها حساسية في النقاش العمومي الحادث، ويحوم حولها النقاش والحوار، وكل الفنقلات التي جاءت في المناظرات كانت واقعية. وإما تكون افتراضية في اعتراضات غير واقعية ومتصورة الوقوع، لكن يراد أن يجري حولها حوار وأخذ ورد، قبول ومدافعة، وتوضيح وبيان، ممن يرى استشرافا وممن لا يرى ذلك من غير الأرأيتيين، (أصحاب أرأيت) والفنقلات التي كانت في غير موضع المناظرات ازدوج فيها الواقعي والافتراضي.
للفنقلة جوانب إيجابية كبيرة، وإنْ كانت لا تخلو من بعض سلبيات، فمن إيجابياتها الكبرى أنها تقرب الفكرة من الأذهان، وتسهم في إيقاظ العقل، والتدريب على فهم الخصم ومناظرته بالحجاج والبرهنة، حيث يوضع اعتراض الخصم ثم يهدم، بعد الكشف عن ثغرات الاستدلال، وتعطي للعقل مساحة كبرى في التقدير والاحتمال والتدليل، وكانت الفنقلة كثيراً ما تستخدم في التعليم ضرباً من الطريقة السقراطية في الحوار، وكذا في رد الشبهات كما نجد عند المتكلمين. ومن هنا كانت الفنقلة «أداة الجدل» الأولى في كتاب الفلسفة والكلام. حيث نجد المتكلم أو الفيلسوف يضع شبهة الخصم عند قوله «فإن قيل»، ثم يجيب عليه ب «قلنا» عادة بجوَابيْن أحدهما إجمالي والآخر تفصيلي ثم يقطع الطريق على أي اعتراض آخر، لذا عادة ما تبدو كتب الفلسفة والكلام على شكل محاورات، حيث كانت الفنقلة سلاحاً للمناظرة، وكأن الفيلسوف أو المتكلم جالس أمامك يقول لك: أنا أسمعك إذا قلت: كذا، كان ردّي هو كذا.
لكن قد يكون عند تقرير حجج الخصم بدقة كافية ثمّ لم يكن للفَنْقَلات جواب ما قد يسهم في زرع التشكيك في عقول الأحداث من الطلبة والباحثين عند العجز عن رد حجج الخصم، فيتأثر الباحث بأفكار قد لا تكون تنسجم مع البيئة الثقافية والاجتماعية للدارس، من هنا ينبغي التحوّط عند إيراد حجج الخصوم ما لم تكن الأدلة كافية في ردها، وحجج التهوين العلمي من شأنها عتيدة. لقد كانت الفنقلة الحلبة التي دارت فيها كل مناظرات علمائنا القدامى احتراماً منهم للفكر، وتقديراً منهم للعقل والحوار.
*مدير مركز الدراسات الفلسفية بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.
إقرأ المزيد


