جريدة الإتحاد - 7/12/2026 12:52:55 AM - GMT (+4 )
يمكن إبداء عدة ملاحظات حول الخطاب الأخير الذي ألقاه السياسي «الديمقراطي» الأميركي رام إيمانويل في جامعة تل أبيب: ما قاله وما تجنب قوله، وما قد يكون لكلماته من أثر، إن تركت أثراً أصلاً.
وعلى مدى 35 عاماً، ظل إيمانويل أحد الوجوه البارزة في السياسة الأميركية. فبعد فترة قصيرة تطوع خلالها في جيش الدفاع الإسرائيلي عام 1991، عاد إلى الولايات المتحدة للعمل في الحملة الرئاسية للرئيس بيل كلينتون، ثم انضم إلى فريق البيت الأبيض عام 1993. وبعد ذلك، انتُخب لثلاث ولايات متتالية في الكونجرس، قبل أن يغادر لتولي منصب رئيس موظفي البيت الأبيض في إدارة الرئيس باراك أوباما. ثم ترشح لمنصب عمدة شيكاغو وفاز بولايتين، وفي عام 2021 عينه الرئيس جو بايدن سفيراً للولايات المتحدة لدى اليابان.
ومع تلك السيرة السياسية الحافلة، ليس من المستغرب أن يفكر إيمانويل في خوض سباق الرئاسة في الانتخابات المقبلة. لكن، في المقابل، ومع التحول الكبير الذي شهدته مواقف الناخبين «الديمقراطيين» تجاه إسرائيل، إضافة إلى سجله الطويل في دعمها، إذ وُلد والده هناك، وخدم عمه في منظمة إرغون المسلحة، كما تطوع هو نفسه في جيش الدفاع الإسرائيلي خلال حرب الخليج الأولى، برزت تساؤلات فورية حول كيفية تعامله مع هذا الملف الشائك خلال الانتخابات التمهيدية الرئاسية.
وكان الحل الأمثل لإيمانويل هو تطبيق القاعدة: «سلط الضوء على مشكلتك». فبدلاً من تجاهل إسرائيل ومدى اختلافه عن غالبية «الديمقراطيين»، قرر إيمانويل التوجه إلى تل أبيب لإلقاء خطاب مهم يُبرز فيه دعمه الطويل لإسرائيل، وفي الوقت نفسه يوجه فيه انتقادات لاذعة لسياسات حكومتها.
إلا أن الخطاب جاء مزيجاً غريباً من الأفكار المتناقضة. فبعد أن أشار إيمانويل إلى روابطه العائلية بإسرائيل، بدأ في سرد الرواية التاريخية الإسرائيلية لفترة ما بعد اتفاقات أوسلو، مردداً المقولة الشائعة «الفلسطينيون لا يفوتون فرصة لتفويت فرصة». وبصفته عضواً في فريق كلينتون، يبدو مرتاحاً لتكرار مزاعمهم الكاذبة بأن الفلسطينيين رفضوا «أفضل الصفقات على الإطلاق» التي عرضها رؤساء الوزراء السابقون رابين وباراك وأولمرت، ثم شنوا أعمال عنف ضد الإسرائيليين الأبرياء. وبينما خدمت هذه الرواية الملفقة أغراض كلينتون الانتخابية، إلا أنها لا تتوافق مع ما حدث على أرض الواقع.
لقد كنت في زيارة إلى الأراضي المحتلة في التسعينيات للعمل في مشروع أنشأته إدارة كلينتون، وشاهدتُ بنفسي كيف كانت الحكومة الإسرائيلية توسع المستوطنات، وتعرقل التنمية الاقتصادية الفلسطينية، وتفرض قيوداً قاسية ومهينة على حركة الفلسطينيين وعملهم. بوعد السنوات الأولى من اتفاقات أوسلو، أصبح الفلسطينيون أكثر فقراً، وأقل حرية في التنقل، وأقل سيطرة على أراضيهم، وبدأ الأمل في السلام يتلاشى. نتيجة لذلك، تراجع الدعم الفلسطيني لقادتهم الذين وقعوا اتفاقيات مع إسرائيل، بينما ازداد الدعم للرافضين للتسوية. صحيح أن حماس استخدمت الإرهاب ضد الإسرائيليين لتخريب اتفاقية أوسلو وتشويه سمعة السلطة الفلسطينية، لكن بدلاً من أن تعزز الحكومة الإسرائيلية السلام، همشت السلطة الفلسطينية، وعاملت جميع الفلسطينيين كمذنبين، مما أدى إلى تصاعد مشاعر الغضب. ولأن إدارة كلينتون لم تفعل شيئاً لمواجهة دور إسرائيل في تخريب اتفاقية أوسلو، فمن غير المبرر أن يلقي إيمانويل باللوم على الفلسطينيين ويبرئ إسرائيل.
أما بالنسبة لعرض باراك، فلم يرفضه الفلسطينيون قط. واستمروا في التفاوض مع إسرائيل في طابا حتى أنهى باراك المفاوضات بنفسه بعد مواجهته هزيمة انتخابية، تاركاً الفلسطينيين أمام طريق مسدود. وكان عرض أولمرت، الذي تضمن انسحاباً من 98% من الضفة الغربية، فقد بدا بالفعل مغرياً، لكن الفلسطينيين رفضوا العرض واعتبروه غير جاد، لأن أولمرت كان يواجه آنذاك الإطاحة به من منصبه واحتمال دخوله السجن.
ثم ينطلق إيمانويل في انتقاد لاذع لسياسات إسرائيل الأخيرة في الأراضي المحتلة، والتي يأسف لأنها جعلت منها دولة منبوذة إقيليماُ. ويصعب الاعتراض على سرده للانتهاكات الفظيعة التي ارتكبتها إسرائيل بحق الفلسطينيين، أو تقييمه بأن دعم الولايات المتحدة غير المشروط لإسرائيل قد ساهم في شعورها بالإفلات من العقاب، الأمر الذي غذى ممارساتها اللاإنسانية. والأكثر إثارة للاهتمام هو تبني إيمانويل لتهديد فرض عقوبات ليس فقط على المستوطنين الذين ينتهكون حقوق الفلسطينيين، بل أيضاً على الوزراء والبنوك والمقاولين.
ومع أن انتقادات إيمانويل لإسرائيل كانت أكثر حدة من انتقادات زملائه «الديمقراطيين» المعتدلين، إلا أنه بدلاً من النظر إلى المشكلة على أنها هيكلية ومتجذرة في النظام، يُلقي باللوم على بنيامين نتنياهو. وفي الواقع، يبدو جزء كبير من خطابه وكأنه نداء للإسرائيليين ليدركوا كيف أضرت سياسات نتنياهو بسمعتهم في العالم، إذ لم يكن خطاباً انتخابياً أميركياً بقدر ما كان نداءً للإسرائيليين للتخلص من الزعيم الذي أضر بمكانتهم الدولية.
لكن استبدال نتنياهو ليس كافياً، لأن منافسيه لا يعارضون نهجه الشامل تجاه الفلسطينيين. ولن يتغير هذا حتى تتخذ الولايات المتحدة التدابير اللازمة لمعاقبة إسرائيل على ممارساتها، إذ أن التلويح بالتهديد وحده لن يجدي نفعاً. ولن تظهر قيادة إسرائيلية جديدة مستعدة لاحتضان الإنسانية الفلسطينية إلا بصدمة النظام السياسي الإسرائيلي بعقوبات رادعة.وبدلاً من اتباع هذا النهج المباشر، يتجنبه إيمانويل، ويتبنى خيالاً لا يقل خطورة عن سلام إقليمي واسع النطاق بين إسرائيل والدول العربية الـ21 باعتباره الطريق إلى الأمام.
إلا أن إيمانويل لا يوضح الخطوات التي ينبغي اتخاذها لتعويض الفلسطينيين عن خسائرهم في الأراضي والمنازل والأرواح وكبح جماح الجيش الإسرائيلي وشرطة الحدود الإسرائيلية في الأراضي المحتلة ولبنان وسوريا، وردع حركة المستوطنين الخارجة عن السيطرة، والتي تعصف بالفلسطينيين وتروعهم، كل تلك القضايا، لا يتطرق إيمانويل إليها بتاتاً.
وفي النهاية، لم يُسهم خطاب إيمانويل إلا في ترسيخ ما أصبح يُعرف بالرأي السائد، أي أن نتنياهو سيئ، وأنه لو كان العرب قد تدخلوا وسيطروا على الفلسطينيين وصنعوا السلام مع إسرائيل لكان كل شيء على ما يُرام. هذا، كما نقول، «جميل، لكنه غير كاف لتحقيق المطلوب».
*رئيس المعهد العربي الأميركي- واشنطن
إقرأ المزيد


