جريدة الإتحاد - 7/12/2026 12:59:11 AM - GMT (+4 )
إذا كنتَ تعلم أن مصنع إحدى علامات المشروبات الغازية المحلية المفضّلة لديك يعاني مشكلات مزمنة في سلاسل الإمداد، فإنك قد تفكر في شراء ثلاجة أكبر لتخزين كمية من منتجاته كأحد الحلول. لكن هناك استراتيجية أفضل، وهي التحول إلى علامة تجارية أخرى. ومع ذلك، فإن خيار «الثلاجة الأكبر» هو ما تتبعه الحكومات في آسيا لحماية نفسها من نقص النفط مجدداً الناجم عن إغلاق مضيق هرمز العام الحالي.
وأعلنت الحكومة الهندية، الشهر الحالي، أنها ستبني محطات تخزين ومصافي نفط جديدة للحماية من الصدمات المستقبلية. وتدرس إندونيسيا والفلبين وباكستان وفيتنام خطط مماثلة، مما قد يمنح دول آسيا الناشئة المتعطشة للطاقة ما يُعادل احتياطيات النفط الاستراتيجية التي أنشأتها الدول المتقدمة بعد أزمة النفط عام 1973، والمخزون المماثل الذي بنته الصين على مدى العِقد الماضي.
ومع تجدُّد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وتهديدهما بتقويض الاتفاقية الهشّة الموقعة قبل ثلاثة أسابيع فقط، تبدو هذه السياسة الوقائية منطقية، فقد ساهم متوسط السحب البالغ 3.8 مليون برميل يومياً من مخزونات النفط منذ بداية الحرب، بشكل كبير في تقليل في قدرة العالم على تجاوز تداعيات الصراع. ولو امتلكت الاقتصادات الآسيوية مخزونات مماثلة، لما اضطرت إلى تحمُّل العمل أربعة أيام أسبوعياً وارتفاع أسعار الوقود خلال الأشهر الماضية.
لكن هناك خياراً آخر، وهو التحول إلى الكهرباء. فإذا كان الاعتماد المُفرِط على واردات النفط الخام هو المشكلة، فإن الاحتياطيات الاستراتيجية والمركبات الكهربائية تحققان الهدف نفسه، إذ توفر الاحتياطيات مصدراً بديلاً عند تعطل الإمدادات، بينما تقلل المركبات الكهربائية الحاجة إلى النفط من الأساس وتُعزّز أمن الطاقة.
ويمكن للحكومات بذل المزيد من الجهد بتوجيه جزء من نفقات تأمين صدمات النفط إلى دعم المركبات الكهربائية وشبكات الشحن، بدلاً من تمويل مخزونات النفط. ولا يُعتبر بناء احتياطيات نفطية بالأمر الرخيص، إذ تحتاج الهند، وفق الأسعار الحالية للنفط الخام، إلى إنفاق حوالي 7.5 مليار دولار لتمديد مخزونها إلى مستوى 90 يوماً، وهو المستوى الشائع في الدول المتقدمة. أما إندونيسيا وفيتنام، اللتان تمتلكان بعضاً من أضعف الاحتياطيات في آسيا، فستحتاجان إلى 8 مليارات دولار إضافية.
وتُعتبر تلك مجرد تكلفة شراء البراميل، حيث تضاف تكلفة الاحتفاظ بهذه الأموال المُجمدة في منتجات غير مستخدمة. وهناك أيضاً تكلفة الفرصة البديلة لمصافي التكرير التجارية، فمع تجميد النفط في الاحتياطيات الإلزامية، تتقلص قدرة الشركات على تداول فروق أسعار العقود الآجلة قصيرة الأجل وطويلة الأجل، وهو مصدر دخل تقليدي. وبالنسبة لاحتياطي يبلغ 300 مليون برميل، كاحتياطي الهند الحالي، ستتراوح تلك التكاليف وحدها بين 1.5 و3 مليارات دولار سنوياً بأسعار الفائدة المعتادة.
ولا يحظى التحول إلى الكهرباء كبديل بالتقدير الكافي، فرغم تضاعف حجم برنامج الهند الرئيسي لكهربة المركبات أكثر من مرتين العام الماضي، فإنه لا يحصل إلا على نحو 600 مليون دولار سنوياً، أي أقل من تكلفة الحفاظ على احتياطياتها النفطية الحالية. وفي المقابل، بلغت خسائر شركات بيع النفط الحكومية، التي كانت تبيع البنزين والديزل وغاز البترول المسال المدعوم خلال الأشهر الثلاثة للحرب الإيرانية، ما يقارب 14 ضعف هذا المبلغ.
ومن خلال خفض الطلب على النفط بشكل دائم، تُقلل كل سيارة كهربائية جديدة من حجم المخزون الذي تحتاجه الحكومة لضمان أمنها. وتُخفض السيارات والشاحنات الصينية الكهربائية حالياً من الطلب على النفط بنحو 1.8 مليون برميل يومياً. ويُعادل هذا الرقم، بتوزيعه على 90 يوماً، إجمالي احتياطيات النفط في ألمانيا. وسيرتفع هذا الرقم مع إضافة المزيد من السيارات الكهربائية إلى الأسطول.
ومن المؤكد أن يشهد العالم زيادة في احتياطيات النفط بفعل الصراع الدائر العام الحالي، لا سيما مع استمرار التوترات في مضيق هرمز. وسيوفر ذلك لمنتجي النفط سوقاً لمنتجاتهم لسنوات قادمة. وقد تبلغ مخزونات الصين من النفط الخام ما بين 1 و2% من الطلب العالمي عليه خلال السنوات الأخيرة.
لكن هذه المخزونات غير المستخدمة لا تُمثِّل استهلاكاً بالمعنى التقليدي، فمعدلات تكرير النفط الخام لم تشهد زيادة تُذكر خلال العقد الماضي، وهو ما يدل على ضخ كميات كبيرة من النفط ببساطة إلى الخزانات والكهوف الجوفية استعدادًا لحالات الطوارئ.ومع ذلك، إذا أرادت الحكومات تحقيق أقصى استفادة من الاحتياطيات التي تبنيها، فعليها أن تجعل احتياطياتها تكفي لفترة أطول من خلال خفض استهلاك اقتصاداتها للنفط الخام. ومع تجاوز حصة مبيعات المركبات الكهربائية في عدة دول آسيوية نظيرتها في أوروبا وحتى الصين، بجانب أن الشاحنات والدرّاجات الكهربائية تنذر بضربة أخرى لوسائل النقل التقليدي، فقد بدأ المستهلكون بالفعل يعبّرون عن آرائهم من خلال خياراتهم. وأفضل وسيلة للحماية من صدمة النفط المقبلة هي ببساطة عدم الاضطرار إلى استهلاك كميات كبيرة من النفط من الأساس.
*كاتب متخصص في قضايا تغير المناخ والطاقة.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


